ماذا تعني العودة للأوراق الشخصية القديمة؟ ولماذا لها وقع خاص في النفس يظل مسيطرا على المرء لفترة أظنها طويلة، حتى بعد أن يتركها الشخص ويعود ليغوص في تفاصيل حياته اليومية الواقعية؟
العودة إلى الأوراق القديمة هي العودة إلى الماضي ـ في رأيي ـ وهذا الماضي يمثل فضاء مختلفا في لونه وامتداده من شخص لآخر، فهو بالنسبة لبعض الناس أكثر رحابة واتساعا من واقعهم وحاضرهم، وهذا يجعله مشرق الألوان، يبعث في النفس ابتهاجا ممزوجا بالأسى لفقدانه وتحول تلك البهجة إلى أطلال وذكريات.
ولكن الماضي بالنسبة لأشخاص آخرين يعني العكس تماما؛ فهو رديف الضيق والانغلاق، وهو الصفحة التي يجب أن تُطوى إلى الأبد من دفتر الذكريات، خصوصا إن كان الشخص قد انتقل إلى حال نقيض لحاله في ماضيه، لذلك يصبح الماضي ذكرى سوداء أو على الأقل داكنة اللون. إلا أنه في كل الأحوال، لا بد من وجود مساحات بيضاء أو فاتحة اللون وسط ذلك القتام.
أعود للأوراق القديمة، وأتساءل وأنا أقلبها بين يديّ عن سر سحرها الذي لا يبلى مع مرور الزمن كما تبلى هي، وتصبح كيفية المحافظة عليها هي الشغل الشاغل أحيانا عند الكثيرين، وأنا أقصد هنا الأوراق الشخصية فقط، ولا أقصد الكتب والمخطوطات التي يحب الكثيرون جمعها والاحتفاظ بها.
إن أي شخص لا بد أن يحتفظ ببعض أوراقه القديمة، لسبب أو لآخر، وكثيرا ما نجد أشخاصا يحتفظون بشيء من تلك الأوراق دون سبب محدد، وإن سئلوا عن ذلك لم يتمكنوا من الإجابة.. هل يعني هذا أننا نشعر أنها جزء من ذواتنا، وأننا إن فرطنا في كل أوراقنا القديمة كأننا نفرط في جزء منا؟
إذا عاد أي منا إلى ملفاته أو أدراجه أو صناديقه التي يضع فيها حاجياته الخاصة سيجد أنها لا تخلو من بعض وريقات مضى عليها حين من الدهر دون أن يشعر به أو بها.
وقد يفاجأ شخص بأن لديه أوراقا تعود إلى مراحله الدراسية الأولى وهو في غفلة من ذلك. وكما ذكرتُ، لا أقصد الشهادات الدراسية، أو الأوراق الرسمية التي يجب على كل منا أن يحتفظ بها، إنما أقصد تلك الأوراق التي فيها قدر كبير من خصوصية، أو تمثل إنجازا مرحليا شعر صاحبه بأنه راغب في تخليده من خلال الاحتفاظ بتلك الأوراق كوثيقة له أمام نفسه على الأقل.
الجميل في تلك الأوراق أنها مع مرور الزمن تكتسب صفة العمومية، وأقصد بهذا أنها لا تعني ما تتضمنه من كلمات على سطورها فقط، بل تعني الحقبة الزمنية التي كُتبت فيها تلك الأوراق على المستوى الشخصي طبعا.
فعلى سبيل المثال، حين أعود لأوراقي القديمة وأجد فيها دفترا يعود إلى سنوات دراستي في المرحلة الإعدادية، يضمّ مجموعة من نصوص «شعرية» أو هكذا كنت أظن في حينها، فأنا لا أتوقف عند الكلمات المكتوبة على صفحات ذلك الدفتر.
بل الذي يستوقفني أكثر هو المرحلة التي كنت أملأ فيها بياضه سوادا، وتحضر تلك المرحلة بكل تفاصيلها البعيدة تماما ـ في جزء كبير منها ـ عن مضمون ذلك الدفتر، لأشعر وكأنني قد عدتُ سنوات إلى الخلف، بتأثير هذه الأوراق القديمة، وهو ما سيصعب عليّ الخروج منه لعدة ساعات، وأحيانا لمدة أطول.
بين حين وآخر أجلس وأقلب في أوراقي القديمة، لأسباب مختلفة: إما لأنني أبحث عن ورقة ما ولا أعرف أين وضعتُها، فأصل في عملية البحث إلى الحيز المخصص لتلك الأوراق القديمة دون أن أشعر. أو أعود إلى أوراقي القديمة لأنني أريد فعلا العودة إليها، وقضاء بعض الوقت معها، إذ تعيدني إلى زمن مضى ولا مجال لاسترجاعه إلا من خلالها، على الرغم من أن ذلك الزمن على مستويات عدة ليس أفضل بكثير من الواقع الذي أعيشه حاليا.
إلا أنه كان أفضل في بعض المستويات، وكان أفضل في بعض الجوانب، وكثيرا ما أجد نفسي مشدودة لتلك الأوراق التي أستعيد معها صفة كانت تميز حياتنا بصورة عامة في «الماضي»، ولكنها الآن مفقودة أو شبه مفقودة، وهي صفة البساطة.
هذه الصفة من الممكن أن تنطبق على مختلف تفاصيل حياتنا؛ فمنازلنا في السابق كانت بسيطة، وهي الآن فخمة جدا، لكن إن قارنّا مقدار الراحة النفسية التي يشعر بها سكان المنازل الفخمة الآن بتلك التي كانوا أنفسهم يشعرون بها وهم في منازلهم البسيطة، سنجدها أقل بكثير منها.
والمدارس والنظام التعليمي كانا أيضا أكثر بساطة منهما اليوم، وقد ولّد ذلك النظام أهم الأسماء التي حملت البلاد على أكفّ الراحة، واستطاعت أن تخدم وطنها ومجتمعها بقوة وفعالية، إذ لم تكن بساطة النظام التعليمي، ولا بساطة البناء المدرسي الذي تلقوا فيه تعليمهم، عائقا يحول بينهم وبين إرادتهم تجاه بناء أنفسهم وتطوير وطنهم.
كذلك كانت العلاقات الإنسانية أكثر بساطة، تميل إلى الفطرية، فالجار لم يكن جارا فقط، إنما هو فرد من العائلة، والأبواب لم تكن تُغلَق أمام الجار أو الغريب أو غيرهما، والزيارات لم تكن بمواعيد تسبقها بأسبوع أو أكثر كما يحدث اليوم، بل كان الناس يعيشون وكأنهم في منزل واحد كبير يتكون من كل بيوت الحي أو الحارة.
أما اليوم فإن كثيرا من الناس لا يعرفون أسماء جيرانهم، وأحيانا لا يعرفون ملامح وجوههم، بل يحدث أن يفاجأ البعض حين يتعرفون على شخص ما بأنه يسكن معهم في المنطقة نفسها! ولا أعرف من أين يأتي العجب إن كان كل شخص يتحرك في سيارة أشبه بالصندوق الأسود الذي لا يُرى مَن وما بداخله، ويدخل بهذه السيارة إلى داخل فناء منزله، ويغلق الخادم الباب خلفه، دون أن يرى أحدا أو يراه أحد، مع غياب عادة الزيارات «الجيرانية» عن حياتنا، فكيف يمكن للجيران أن يعرفوا بعضهم؟
إن العودة للأوراق القديمة تعني العودة لزمان يمتد في الغياب، قضى المرء منا خلاله شطرا من عمره، بحلوه ومرّه، ولولا أن تلك الأوراق تعني شيئا مهما بالنسبة لنا، لما احتفظنا بها وحافظنا عليها ضد عوامل الزمن. ولكني أتساءل: هل يوجد من يعيش دون أن تكون له أوراقه القديمة؟
جامعة الإمارات