عيد وتسوق وازدحام مروري وأسعار تشتعل بالنار والناس كما هي الناس على عاداتها لا تتبدل ولا تتغير سوى إلى مزيد من الاستهلاك والى مزيد من التسوق والى مزيد من التزاحم، هو العيد هكذا هذه الأيام، لا تستطيع ان تذهب لتتبضع قبل يوم من العيد، حتى وان فعلت ذلك وتشطرت وقلت انك سوف تسبق الناس إلى سلع العيد ولوازمه وسبقتهم قبل موعدهم بأسبوع.. فانك في ليلة العيد ستجد حالك حالهم أيضا تقضي نواقصك من اللوازم والتبضع.
هي عادة.. والعادة سلوك مزمن ترسخ، والعادة إدمان والإدمان تعلق شديد.
عند خياط الملابس ازدحام وعند بائع الحلوى طابور وعند بائع المكسرات لا يوجد محط لقدم، وفي صالونات التجميل التي تسهر إلى صباح العيد طوابير من النساء والفتيات.. تسهر الناس إلى الساعات الأولى من الصباح وغالبيتهم يستمر في السهر خشية ان تفوته صلاة العيد في المصلى.
صبيحة العيد وبعد الصلاة تسيطر حالة من الخمول والتعب والإرهاق وترى ذلك في الوجوه الا أولئك الذين رتبوا أوضاعهم جيدا واستمتعوا بنوم مريح ليلة العيد.
سمة الاستهلاك صارت هي الفعل العادي والاعتيادي ومن يخرج عنها فقد خرج عن »سلوك« الجماعة.. ففي عصرنا هذا تحول التجار إلى أبطال ولاعبين تفوق مهاراتهم مخططي الحروب واستراتيجياتها.
فاليوم يلعب الإعلان بطولة ساحرة في التأثير على الناس وتقنيات الاتصال الحديثة ووسائط الاتصال المتعددة هيأت فرصا سانحة للتجار ومروجي البضاعات الاستهلاكية والسلع ليصلوا إلى زبائنهم، هذا عدا ان العلم الحديث في الترويج وإدارة المنتج فتح آفاقا واسعة لاستثمار المادة الإعلانية لتشكل ضغطا على المستهلك ودخل سحر الصورة في لعبة الإغراء.. وتشكلت ثقافة جديدة للتأثير.
تطورت أساليب ترويج البضائع ووسائل التأثير ولم يتطور الفرد في العصر الحديث باتجاه تحديد رغباته الحقيقية وإدارة اقتصادها بشكل مناسب.. لهذا يصرخ الجميع من ضغط الاستهلاك وارتفاع ثمن المعيشة لكنهم لا يملكون ان يفعلوا شيئا حياله، فهم بأنفسهم يدفعون بارتفاع الطلب على السلعة حتى وان تعدى سعرها الحقيقي المعقولية والمنطق.
ثقافة الاستهلاك هي المسيطرة على إيقاعنا الحياتي ولأننا ننغمس في كدح تام ودائم نحتاج إلى مرفهات والى تسال والى كل شيء لا يدوم طويلا بهدف التغيير وكسر الإيقاع، فأول درس تعلمه لك تلك الثقافة هي الاستسلام التام لأنك مطالب بملاحقة السائد، والسائد اغلبه أو كله سهل القبض عليه، سهل التلف، سهل التخلي عنه.
ولأنك تسير على هذا المنطق فأول منتفع من ايقاعك هذا هو التاجر الذي لا يضطر لإعادة كبيرة في تشكيل بضاعته، بل يكفي ان يغير غلافها لتغريك أكثر!
