هل كان يمكن أن يعيش لبنان دوامته الرئاسية لو أن الحال العربي مختلف عما هو كائن الآن؟ سؤال يدعو إلى التأمل في وقائع ما جرى خلال الأسابيع الماضية وما قد تشهده الأيام القادمة، والنظر بعيون أخرى تدرك الجزء في إطار الكل ولا تفصل الأحداث عن دلالاتها الموحية ومؤثراتها الخارجية، فنظرة إلى بيروت تغنيك عن تفحص العالم العربي من محيطه إلى خليجه.
إذ إن الخيوط المتشابكة هناك وعرائس الماريونيت التي تتحرك على مسرح الأحداث تمثل انعكاسا حيا وواقعيا وصادقا لمحيطه العربي حتى يبدو كمرآة محدبة تظهر مايجري في دوائر الحكم وما يكتنف السياسات العربية من تبعية وضعف ومن عدم أهلية المسؤولين لممارسة العمل السياسي من حيث المبدأ، فضلا عن التحكم في رقاب ملايين البشر الذين كان كل ذنبهم في هذه الحياة أنهم ولدوا عربا.
هذا الدور الذي يلعبه لبنان كمرآة كاشفة لفترات القوة والمرض العربية ليس جديدا، بل يمكن للمتأمل أن يتأكد من امتداده إلى شتى مناحي الحياة.. الفكرية والفنية والثقافية، ولا يقتصر فقط على السياسة.
فحينما بدأ العالم العربي ينتفض على ركود استمر عقوداً خلال القرن التاسع عشر ويجد ضالته في تقليد حضارة غربية بدت يانعة بدأ الأمر من لبنان زاحفا منها إلى مصر، فنشأ المسرح وتأسست الصحف على يد (الشوام) الذين أسهموا في تغيير وجه الحياة.
ونقلها من نمط القرون الوسطى التي كانت عليه إلى نمط عصري، وتلقفت مصر البذور لتؤسس مجتمعا ثريا بالفنون والثقافات الجديدة وأساليب العمل السياسي الحديثة ولم تجد طريقة للحاق بركب العصر واللهاث خلف بضاعته إلا بالتعليم.
وخلال العصر الذهبي للثقافة العربية أهدى لبنان العرب مفكرين ومثقفين على مستوى عال وكانت بيروت حاضنة رؤوماً، لم تكن مطابعها تهدأ ولا صحفها تخلو من ضجيج المعارك الأدبية والسياسية، وحتى في الفنون أهدت العالم العربي فيروز ووديع الصافي وغيرهما من العمالقة.
حينما كان الطرب يحلق في سماوات الفن الأصيل، وليس خافيا مغزى استبدال فيروز وهي لاتزال على قيد الحياة بانفجار أنبوب خرجت منه سلسلة من مطربات الغرائز ومغنيات الفيديو كليب.
ما يجري في الملعب العربي إذن يترجم إلى أهداف في مرمى لبنان بالمكسب أو الخسارة، فحين كانت روح المقاومة سارية في العواصم تكلمت البنادق من جنوب الليطاني، وحين تحول رأس المال إلى أداة للحكم أصبح رجل أعمال رئيسا للوزراء.
ووقتما كان الساسة العرب أوفياء لقضيتهم خرج فؤاد شهاب وكمال جنبلاط ورشيد الصلح وسليم الحص، فلما انقلبت الأحوال رزئ بسياسيين أغلبهم سماسرة يلعبون بالبيضة والحجر ويعمقون الطائفية والمذهبية، حينما كان التحرر هو النغمة السائدة رفع لبنان رأسه عاليا ولما عم الارتهان للخارج كان اول من سلم قراره.
الآن لم يجد اللبنانيون المتنازعون سياسيا واحدا يصلح للمقعد الرئاسي، وهذا يعني إفلاساً سياسياً كاملاً في وطنهم الصغير وفي الوطن الكبير، وتطلع إلى العسكر مرة أخرى بعد أن تقلب السياسيون يميناً ويساراً وانتفعوا من حال التردي مثلما تاجروا يوما بالقضايا الكبيرة والمبادئ العظيمة.
فرنسا تتدخل، ولم لا فكل العواصم لها فرنساها. فرنسا تفشل وتتقدم الكاسحة الأميركية في لحظات الحسم منحية الدور الفرنسي، حسنا فهي تفعل ذلك في أماكن كثيرة من وراء وكيل آخر أو بشكل سافر..
تصدر أوامر لنواب الشعب اللبناني وسياسييه بعد أن منحت الحق لنفسها في الأمر والنهي، والبطش واللين.. مايجري في لبنان معركة بامتياز لاينقصها غير أزيز الطائرات وهدير المدافع وطقطقات الرصاص.. كل يحاول أن يجعل ظهر الآخر للحائط.. وأميركا تحاول أن تكشف ظهور الجميع كي تلهبها بالسياط إن لزم الأمر..
وكما كانت الحرب حرب الآخرين على أرض لبنان فإن الصراع السياسي هو الآخر صراع آخرين لايهمهم أن يخرج لبنان سالما بقدر أن تخرج مصالحهم سالمة، لم يتنازلوا أو يختاروا الحلول.. انها عبثية بامتياز لكن من قال إن ذلك شأن لبنان وحده.. تلك حالنا جميعا.
هل يجدر بالمرء أن يقلد الرئيس المصري الراحل انور السادات ويقول ارفعوا أيديكم عن لبنان؟ وحتى لو هتف الأربعمئة مليون عربي بالعبارة سيسمع أحد؟ الكبار حينما تنسيهم مصالحهم كل شيء لا يسمعون، والصغار التابعون لا يجدون في الوطنية ملاذا يفلتون به من الفخ.. لقد تغير مفهوم الوطنية وتم استبدال المصالح العليا للأوطان بمصالح الجالسين على الكراسي..
أيا كان الكرسي المكرس لهم.. طائفيا مذهبيا.. وأيا كانت التبعية لدولة إقليمية ممانعة أو لقوى عالمية على استعداد لتحويل مدارس الأطفال وملاعبهم إلى ساحات حرب يحل فيها الدم المراق محل الدمى، وتتحول البسمات البريئة إلى فكين مفتوحين على المجهول.. ليس الذنب ذنب لبنان، فصورة العرب البشعة هي المنعكسة على مراياه التي لاتكذب.