من يتابع أحوال الجزائر منذ عام 1991 وحتى الآن سيعتقد أن أسطورة سيزيف تتكرر في هذا البلد العربي المغاربي، وسيلاحظ أنها تدور في حلقة مفرغة من العنف وانحساره ثم صعوده ثم انحساره.

وآخر دورة في هذه الحلقة المفرغة هي التفجيرات التي شهدتها الجزائر العاصمة الأسبوع الماضي ضد مقر كل من المحكمة الدستورية ومفوضية الأمم المتحدة للاجئين. وبعيدا عن أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أعلن عن تنفيذه لهذه العمليات.

إلا أنها تحمل العديد من الدلالات في مقدمتها أنها تؤكد أن حلم الاستقرار ونهاية العنف مازال بعيدا عن الجزائر على الرغم من تطبيق مرحلتين في قانون الوئام المدني، وعلى الرغم مما هو بادي في تصالح معظم قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ والدولة وعودتهم من المنافي إلى الجزائر بل وهدوء خطابهم السياسي مقارنة بما كان عليه في السابق.

وثاني دلالات هذه التفجيرات الكارثية أنها أكدت أمرين الأول أن تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال قد غير من أهدافه وتكتيكاته.

فهذا التنظيم الذي أعلن في 11 سبتمبر 2006 عن انضمامه إلى تنظيم القاعدة، بعدما كانت عمليته في السابق تتم عبر التفجيرات والمواجهات ولا تشمل العمليات الانتحارية عدل منها وأصبحت تتوافق مع شكل وطبيعة عمليات تنظيم القاعدة وادخل عليها أسلوب العمليات الانتحارية.

حيث أن وزير الداخلية الجزائري قال انه من المتوقع أن يكون منفذي التفجيرات الأخيرة من الانتحاريين. وأيضا يلاحظ أن العمليتين التفجيريتين الأخيرتين كانتا ضد أهداف داخلية تعد رمزاً من رموز الدولة وهو مقر المحكمة الدستورية.

وآخر يعتبر هدفاً دولياً هو مقر مفوضية اللاجئين وهذا الأمر يعني أن الجماعة السلفية مزجت بين نوعين من الأهداف وهو العدو القريب ممثلا في الدولة وكان هذا العدو له الأولوية في السابق من بين أهداف الجماعة.

والعدو البعيد ممثلا في القوى الدولية واختارت الجماعة السلفية الأمم المتحدة باعتبار أن لها مقرا في الجزائر العاصمة.

أما الأمر الثاني فهو انه على الرغم من أن الدولة أعلنت أكثر من مرة عن انحسار العنف، إلا أنه ثبت أن ذلك ليس صحيحاً.

من المؤكد أن الجماعة الإسلامية المسلحة لم تعد من الجماعات التي تمارس العنف الدموي على النحو السابق، وذلك بعد انضمام كوادرها إلى المصالحة وحصول معظمهم على العفو، إلا أن الجماعة السلفية مازالت تمارس العنف الدموي.

وتتواجد في مناطق بعيدة عن سيطرة الدولة وتجند عناصر من دول مغاربية عديدة ومازالت قادرة على اجتذاب شبان جدد إلى عضويتها، ومعظم هؤلاء الشباب ليسوا مسجلين لدى جهات الأمن الجزائرية لمتابعتها. وهذا الأمر هو ما أكدته تفجيرات باتنة ودلس التي شهدتها الجزائر في يوليو من هذا العام.

بالطبع فإن أحد الأسباب الرئيسية لحالة «السيزيفية» التي تعيشها الجزائر والحلقة المفرغة من العنف التي تشهدها منذ ما يزيد عن 15 عاما هو الجمود الذي تعيشه السلطة هناك وعدم إتاحة الفرصة لعملية الحراك السياسي.

وليس مصادفة أن معظم عمليات العنف التي شهدتها الجزائر هذا العام ارتبطت زمنياً بالحديث عن المضي قدما في عملية تعديل الدستور التي ستتيح للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أن يمدد ولايته الرئاسية مدة ثالثة، والتفجيرات الأخيرة كانت بعد يوم واحد من تصريح حكومي حول الانتهاء من صياغة التعديلات وأنها سترفع إلى رئيس الجمهورية من أجل تحديد موعد للاستفتاء عليها.

ويبدو من تطورات الأحداث أن الجماعة السلفية العليمة بمزاج الشارع الجزائري تدرك أن الاتجاه نحو الاستئثار بالسلطة ليست له شعبية وهي تضرب في هذا الوقت لكي تكتسب عملياتها شرعية لدى المواطنين. وللأسف فإن السلطة المشغولة بتعديل الدستور لم تنشغل بنفس الدرجة بمحاولة الاشتباك مع الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للعنف الأمر الذي سهل للجماعة إيجاد عناصر جديدة لتضمها إلى كوادرها.

لا نستطيع بالطبع أن نتجاهل عامل انضمام الجماعة السلفية للقاعدة وهو عامل أعطى لها زخما بالطبع، وساعدها معنويا ورمزيا ولوجستيا وبالطبع ماليا، لكن الباحث عن أزمة الجزائر لابد وان يبحث عما هو بالداخل الجزائري وليس في الخارج، فالدولة حققت اختراقاً بالفعل لكنه اعتمد في جزء كبير منه على ارتفاع أسعار النفط والمساعدات الخارجية.

خاصة العسكرية بعدما اعتبرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الجماعة السلفية من المنظمات الإرهابية، ولكن الدولة نفسها لم تسع إلى التعامل الحاسم مع أسباب الظاهرة وهي متشابكة ومتعددة وذات مستويات مختلفة الأمر الذي أدى إلى بروز العنف على فترات معظمها متقارب زمنيا.

وهو ما يعني أن عودة العنف الشامل والدامي ليست مستبعدة ولكنها في نفس الوقت ليست مرجحة بشدة وذلك لأسباب لها علاقة بالوضع الجغرافي للجماعة السلفية التي أصبح وجودها منحسرا فقط في مناطق القبائل ولا تتمتع بالتواجد الشامل سواء الذي كانت علية الجماعة الإسلامية المسلحة أم كان يتمتع به الجيش الإسلامي للإنقاذ.

من هذه المقدمات نستطيع القول إن الجماعة السلفية تستطيع تنفيذ عمليات أو تفجيرات على فترات متباعدة، لكنها لا تستطيع أن تنظم مواجهة ضد قوات الأمن في مناطق الجزائر.

خاصة وان كوادرها حسب تقارير استخباراتية لاتزيد عن 350 عنصرا فقط زادوا بعد الإعلان عن تشكيل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى مابين 1000 و1200 عنصر لكنهم يتواجدون في مساحة جغرافية واسعة تصل إلى 6000 ميل وهو ما يقلل من خطورتهم بالتأكيد ويصعب عليهم تنظيم المواجهة الشاملة ضد الدولة أو المجتمع.

ولكن التنظيم لكي يعلن عن وجوده ونشاطه لابد له من عملية كل عدة أشهر لتذكر الناس به وهو ما يجعل الجزائر تعيش في محنتها فترة من الوقت قد تمتد حتى تبنى المواجهة الشاملة للظاهرة من قبل الدولة وهي مواجهة لا تقتصر فقط على الجانب الأمني ولكن تمتد إلى الجوانب السياسي والاقتصادي والثقافي.

كاتب مصري