خافيير سولانا دبلوماسي من طراز فريد .. سمحت له مواهبه بتبوؤ أعلى المناصب في كل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي على التوالي. ولأن هذين الإطارين من أرقى ما وصلت إليه تجربة التعاون والتنسيق الجماعي في عالم الغرب على الصعد الأمنية والاقتصادية والسياسية.

فلابد أنه تراكمت لدى هذا الرجل خبرات لا تباري في هذه التجربة. وتقديرنا أن من يرد التفقه في فلسفة السياسات الغربية بشطريها الأوروبي والأميركي على ضفتي الأطلسي تجاه عوالم الآخرين، فليتابع سيرة سولانا فكراً وحركة ومنهجاً.

إلى ذلك، ثمة ما يشي بأن لسولانا قدما وباعا قويين ودراية واسعة بالشق المتعلق من هذه السياسات بقضايا منطقة الشرق الأوسط، الصراع الإسرائيلي العربي والقضية الفلسطينية بخاصة.

ولا أدل على ذلك من أنه لكثرة جولاته جيئة وذهاباً إلى هذه المنطقة، ربما حسبه البعض واحداً من أهلها وساستها!. وقد يكون من المفارقة أن اسم سولانا وتحركاته يتردد في الميديا الشرق أوسطية (العربية مثلاً) على نحو ينافس أو يفوق أسماء بعض وزراء خارجيتها ومسؤوليها الكبار.

هذا الدبلوماسي المحنك بمواصفاته الخاصة يحلق أحياناً خارج السرب؛ ينطق بالمسكوت عنه أو المطلوب تخبئته ومداراته بين يدي المقاربات الغربية للقضايا الساخنة .. يدفع بتقديرات تخالف مألوف عمل الدبلوماسيين القائم على ذلاقة اللسان وزخرف القول.

قبل عام أصدر سولانا تقريراً عن حالة السياسة الخارجية الاتحادية الأوروبية بعامة، وخص فيها السياسة الأوروبية الشرق أوسطية بشيء من التقويم الصريح .. قائلاً ما مؤداه أن الأوروبيين لا سياسة خارجية موحدة لهم، وأنهم يراوحون تجاه القضايا الساخنة كقضية التسوية الإسرائيلية العربية في دائرة التردد والحيرة بين الإقدام والإحجام.

وهذا لا يشجع القوى المعنية على الثقة في تحركاتهم عمليا. وألمح إلى التمايز الذي يعتري هذه التحركات بين مواقف أعضاء الاتحاد الأوروبي بما يضر بصدقية الاعتقاد بوجود سياسة اتحادية متماسكة.

بهذه التعميمات تلاقى سولانا في منتصف الطريق مع أحكام بعض من سبروا أغوار السياسات الأوروبية طويلاً. هؤلاء الذين يتميزون غيظاً من لغة المواقف الفضفاضة أو الضبابية التي طالما تذرع بها الأوروبيون وهم يدارون سوءة افتقادهم لسياسة خارجية توازن أو توازي تطورهم الوحدوي اقتصاديا.

وبالنظر لتكرارية هذه اللغة لعشرات السنين إزاء المعضلة الفلسطينية، فقد ذهبت ظنون البعض إلي ان الأوروبيين متواطئون تماماً مع التحالف الإسرائيلي الأميركي لكنهم يوزعون معه الأدوار لا أكثر ولا أقل.

في لحظة شجاعة أو غضب أخرى، أعد سولانا تصوراً عاجلاً لنتائج مؤتمر أنابوليس، لاحظ فيه ما فحواه:

1- ان الأطراف المعنية بالتسوية الإسرائيلية الفلسطينية تريد دوراً أكبر للولايات المتحدة، إلا أن الرباعية الدولية (التي يتشارك فيها الأوروبيون والروس والأمم المتحدة إلى جانب الولايات المتحدة) تبقى القوة الدافعة الأساسية لتقدم التسوية.

2- ان حضور الرباعية الدولية في عملية التسوية يشجع الأطراف العربية على الانخراط أكثر فيها.

3- يجب أن تبقى الرباعية جزءاً من عملية التسوية والحارس الأساسي لخريطة الطريق، حتى لو أصر الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني على أن الولايات المتحدة هي المراقب الأساسي لتنفيذ هذه الخريطة.

للوهلة الأولى يبدو أن سولانا غيور على مقام الرباعية،الذي يفسح المجال لدور أوروبي أوقع .. ويقال إن ما دفعه إلى البوح بملاحظاته هو موافقة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قبيل أنابوليس على ايكال الإشراف على متابعة تطبيق خريطة الطريق للرباعية، ثم نكوصها عن ذلك في المؤتمر وطلبها من المشاركين التقشف في الحديث عن هذه الرباعية ودورها.

الأمر الذي أفضى فعلياً إلى الانفراد الأميركي بواجبات الرقابة والمتابعة طبقاً لنتائج المؤتمر.

ربما كان هذا التصور صحيحاً ..ويصح الاعتقاد أيضاً بأن المسؤول الأعلى عن السياسة الخارجية الأوروبية إنما أراد التعبير عن ضجرة من الهيمنة الأميركية على عملية التسوية التي لم تثبت جدواها، ولفت نظر قومه إلى هامشية موقعهم في إطار هذه العملية.

غير أن ثقتنا في دهاء هذا الرجل وعمق خبرته، تستفزنا للبحث عما هو ابعد من هذه الأسباب. ما نحسبه أن سولانا بذكائه السياسي استطلع فشل الوساطة الأميركية المنفردة سابقا والاحتمال القائم لاستمرار هذا الفشل في الحال والاستقبال .. ذلك لأن واشنطن مصنفة عند كثير من الفلسطينيين والعرب كطرف ظهير لإسرائيل أو حليف عضوي متضامن معها لا يجدر الاطمئنان إلى حياده.

وعمليا، يود سولانا القول بأنه لكي تستكين هواجس الفلسطينيين ومن ورائهم عرب كثيرون، فمن الأوفق أن تتلازم المساعي الأميركية مع جهود آخرين مرموقين في المجال الدولي .

هذا هو التفسير المعقول لاعتقاده بأن «الرباعية يجب أن تبقى جزءاً من عملية التسوية،خصوصا انها تقدم المعلومات والتحليلات ومهمة للحوار مع لجنة تفعيل مبادرة السلام العربية». نحن هنا بصدد تحليل يضع يده على علة نشوء الرباعية وتكوينها من الأصل.. فهي جاءت كاستجابة للرغبة الفلسطينية والعربية الجامحة في تعددية الوسطاء واختراق وحدانية الوسيط الأميركي .ولذا فإن اختفاء دورها أو شحوبه سيكون مدعاة لإحياء المخاوف القديمة من هذه الوحدانية.

في غياب الرباعية ، سيتعرض الدور الأميركي مجددا لرياح المرجفين في نزاهته، للموقنين في انحيازه للطرف الإسرائيلي.

وفي أجواء كهذه ،لن يسهل على عرب التسوية أو الاعتدال أو مبادرة السلام الإستراتيجي مفاوضة واشنطن أو إبداء المرونة مع طروحاتها ورؤاها، مخافة رميهم بالتنازل لرغبات إسرائيل التي يتبناها المتحدث الأميركي نيابة عنها .هذا على حين يشكل وجود الرباعية في صورة عملية التسوية حائط صد وغطاء قوى المفعول في مواجهة تيار الممانعين والرافضين المتطرفين .. إذ سيجرى كل شيء في غمار التسوية باسم «المجتمع الدولي» ممثلاً بها!.

كأن نصيحة سولانا والحال كذلك موجهة لصانع القرار الأميركي بقدر ما هي معنية بالغيرة على الدور الأوروبي الذي ينطق باسمه .. المعادلة عنده كالتالي: الأميركيون يحتاجون الرباعية للتمويه على انفرادهم بالتسوية واستدراج الفلسطينيين والعرب إلى المشاركة فيها بغير تردد أو وجل.

بينما يحتاج الأوروبيون الرباعية لتوكيد حضورهم الدولي وتنشيط سياستهم الخارجية في واحدة من أعقد القضايا الدولية وأكثرها اتصالا بمصالحهم وقربا من رحابهم. ولنا أن نضيف إلى معادلة سولانا شطراً ثالثاً تكميلياً، هو أن الفلسطينيين والعرب يرون في الرباعية ما يرضي طموحهم للإفلات من فكرة الانصياع للراعي الأميركي الوحيد لسيرورة الصراع والتسوية مع إسرائيل.

والحق انه لا مؤشرات توحي بإدراك هذا الطموح طالما ان دور الرباعية، حركة وجهودا وفاعلية ، معلق بقرار واشنطن.. واسألوا سولانا.

كاتب وأكاديمي فلسطيني