ولكن جاء خير الاتحاد ليصهر جميع هذه التحالفات في بوتقة واحدة تحمل اسماً واحداً، وولاء واحداً وهوية واحدة وعلماً واحداً وشعاراً واحداً متمثلا في دولة الإمارات العربية المتحدة. وديسمبر هذا العام كان أكثر تميزاً.

فبعد يوم واحد فقط من ذكرى قيام اتحاد دولة الإمارات، جاءت قمة مجلس التعاون لدول الخليج لتسجل عامها السادس والعشرين في مسيرة تعاون امتدت منذ عام 1981 جمعت فيها أبناء الخليج تحت سقف واحد وهم واحد وحلم واحد وطموح وآمال مشتركة تحقق منها ما تحقق، وما زال الباقي يحمله طموح خليجي تواق لتحقيق المزيد من أواصر التعاون.

والمتتبع لمسار التجارب الوحدوية سواء تلك التي شهدتها المنطقة سابقاً أو تجربة اتحاد دولة الإمارات أو تجربة مجلس التعاون الخليجي، لا بد أن يقر بحقيقة تاريخية وهي الدور الذي لعبته إمارة أبوظبي على وجه الخصوص في دفع هذه التجارب الوحدوية إلى أرض الواقع. لقد ورثت إمارة أبوظبي الحس الوحدوي منذ فترة مؤسس أبوظبي الحديثة الشيخ زايد بن خليفة الأول الذي حكم أبوظبي منذ عام 1855- 1909.

فلقد استطاع هذا الرجل أن يجعل من إمارة أبوظبي القوة الأولى في الساحل المهادن وذلك بفضل حنكته وقيادته، كما حمل بذور الفكر الوحدوي في تلك الفترة المبكرة من عمر إمارات الساحل المهادن حيث كان يهدف ويسعى لتوحيد قبائل الساحل تحت راية واحدة.

وذلك من خلاله تدخله في حل الخلافات التي تنشأ بين إمارات الساحل بالطرق السلمية والابتعاد عن سياسات التحالفات القبلية التي زجت المنطقة في سلسلة من الحروب والصراعات المستمرة؛ ولعل في اجتماع أمراء الساحل لأول مرة في أبوظبي في عام 1905 بدعوة من الشيخ زايد بن خليفة لبحث موضوع المنازعات الحدودية البارزة لهو أكبر دليل على ذلك.

لذلك يعتبر زايد بن خليفة الأول، أول من حمل مفهوم توحيد القبائل سعياً لقيام اتحاد ما بين الإمارات وإن كانت هذه المفاهيم بمقاييس اليوم تعتبر بسيطة إلا إنها كانت في تلك الفترة تتناسب مع أعراف وتقاليد القبيلة.

وواصلت أبوظبي دورها الوحدوي مع وصول المغفور له باذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى حكم الإمارة في عام 1966، وبرز منذ بداياته توجهه الوحدوي؛ فقد نقل عنه أحد الوكلاء السياسيين البريطانيين قوله أن أمنيته أن يرى أهل الساحل المهادن كافة يعيشون معاً، وكأنهم أسرة واحدة، وأن يرى الحكام كافة إخواناً يعاضد بعضهم بعضاً، ويدعمون مسيرة الاتحاد.

فبدأ عهده رحمه الله بسلسلة من الإجراءات والسياسات التي تثبت توجهه الوحدوي، فقد بدأ بسياسة الإنفاق على مشاريع التنمية في إمارات الساحل بدون أي استثناء وبدأ تبرعه بمبلغ 000,50 جنيه إسترليني لصندوق التطوير(تابع لمجلس الإمارات المتصالحة الذي أنشئ في عام 1952 و يعتبر أول شكل وحدوي رسمي تعرفه المنطقة)،.

وضاعف من هذا المبلغ ليصل إلى 2 مليون جنيه في عام 1968، أما في عام 1969 فقد وصلت مساهمة أبوظبي في الصندوق إلى ما يقارب 95% من ميزانية التطوير.

وفي نفس العام تم إنشاء مكتب لإمارة أبوظبي في مدينة الشارقة، وقد لقي هذا المكتب وقت افتتاحه ترحيباً عربياً، حيث تشير إحدى الوثائق من الوكالة البريطانية في دبي إلى أن صحيفة الأهرام القاهرية قد أشادت بافتتاح هذا المكتب الذي حصل على ترحيب في الدوائر السياسية في القاهرة.

ويقول الوكيل البريطاني في هذا الصدد «ذهبت إلى هذا المكتب في الشارع العام في الشارقة والذي يرفرف عليه علم أبوظبي، ويعرف في الأوساط الشعبية هنا باسم مكتب التعاون، وقد أخبرني حاكم الشارقة في لقائي إياه في 6 يونيو أن الموافقة على إنشاء هذا المكتب قد تمت في الاجتماع الأخير في أبوظبي، وأنه سيكتمل بضم ممثلين عن عجمان وأم القيوين..».

أما عن أهداف هذا المكتب فقد كان يطمح لإعداد الدراسات والأبحاث اللازمة لتهيئة الفرصة لأهالي إمارات الساحل للعمل في المشروعات التي تقوم بها إمارة أبوظبي سواء في إماراتهم أو في أبوظبي؛ ويقوم المكتب كذلك بتقديم منح دائرة معارف أبوظبي للدراسة الجامعية إلى أبناء الساحل.كما قامت أبوظبي في العام نفسه بتسوية مشاكل الحدود البرية والبحرية بينها وبين إمارات الساحل وذلك في خطوة تؤكد على تصفية حسابات الماضي لبدء صفحة جديدة مشرقة في تاريخ الساحل.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال الدور الذي لعبته الإمارة المؤهلة في إنجاح مساعي الاتحاد والمباحثات والمشاورات اللازمة، فأبوظبي كانت قبلة هذا المد الاتحادي في منطقة الساحل حتى تمت ولادة الدولة في الثاني من ديسمبر عام 1971.

إذاً لعبت أبوظبي دوراً محورياً ورئيسياً في نشأة الاتحاد، فقد ورثت هذه الإمارة منذ عهد مؤسسيها الأوائل وبالتحديد منذ عهد الشيخ زايد بن خليفة الأول بذور الزعامة والقيادة والريادة والتطلع للتوحد في كيان سياسي واحد، وقد حمل أسرة آل بوفلاح هذا التوجه طيلة فترات القرن العشرين حتى هيأ الله للأسرة الكريمة قائداً فذاً قلما تنجب الأمم مثله، تحدى كل معطيات التاريخ والتشرذم والفرقة ونوايا الاستعمار البريطاني.

تحدى التحديات الخارجية قبل الداخلية، أعطى وتنازل، صافح وتسامح وأعفى عن الغريب قبل القريب، خطت ابتسامته وشجاعته وكرمه وحسن أخلاقه ودبلوماسية سياسته وبعد نظره ملامح دولة الإمارات العربية المتحدة حتى أصبحت هذه الدولة بفضل قيادته وإخوانه حكام الإمارات في مصاف دول العالم.

ستظل أبوظبي على العهد والوفاء راسخة في قيمها الوحدوية، وستظل شقيقاتها دبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة شموعا تضيء سماء الإمارات ، وسيظل عقد الاتحاد متين ومتماسك، بفضل رؤية القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وإخوانهم أصحاب السمو حكام الإمارات الكرام.

سيظل شعار الاتحاد الذي اتخذته احد الخطوط الجوية المحلية شعاراً لها، سيظل هذا الشعار محلقاً عالياً في سماء المجد والتميز الذي لن ترضى دولة الإمارات بديلاً تاريخياً عنه، سيظل النشيد الوطني الذي تردده حناجر الصغار في طابور كل صباح خياراً وطنياً ستتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل متحدية في ذلك كل العوائق والتحديات.

مركز زايد للتراث والتاريخ