الوقت غير مناسب والمكان والشخصيات. الدخول إلى المنطقة العربية المحظورة والمحرمة منذ بداية هذا القرن يحتاج إلى سيناريو من الدرجة الأولى وشخصيات من الدرجة الأولى ومكان من الدرجة الأولى وتوقيت هو أيضاً من الدرجة الأولى. مع ذلك، فإن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وبمجرد أن وضع قدمه اليمنى على عتبات قصر الإليزيه قرر أن تكون قدمه اليسرى في الشرق الأوسط بعد أن غامر بعلاقته مع أميركا.

وهذا شيء جيد أن يحاول هذا الرئيس الجديد المحافظة على تاريخ العلاقات الفرنسية العربية الممتدة منذ عهد شارلمان إلى يوم خروج آخر عمالقة الديغوليين من قصر الإليزيه. لكن زمن الساعة العجيبة التي أهداها أجدادنا إلى الفرنجة قبل أكثر من ألف عام قد اختلفت الآن.

ومحاولة قلب الزمن أيضاً مسألة فيها نقاش. صحيح أن فرنسا على مدى عقود طويلة من الزمن (وليست عقوداً تجارية) تعاملت مع المنطقة من منظور استعماري بحت ونجحت لفترة قصيرة في ذلك كحال باقي دول أوروبا في تعاملها مع الشعوب المستضعفة والتي كان من بينها في يوم ما دول لعبت دور المصباح المضيء في تاريخ أوروبا المظلم.

إلا أن هذه الشعوب بعد تحررها بشكل أو بآخر ورغم سياسة الأنظمة المختلفة التي تتحكم بمصائرها ورغم انشغالها بحروب لا طائل منها، لم تنقطع قط عن قراءة كتابها المقدس في كل يوم خمس مرات، ومازالت متفقة على الصوم الجماعي على مدى 30 يوماً في السنة، وفريضة تقديم 5. 2 في المئة من ممتلكاتها على شكل زكاة للمال تقدم طواعية إلى الفقراء والمحتاجين.

وحضور الاجتماع العالمي (أو ما يطلق عليه الغرب المؤتمر ونطلق عليه نحن «شعائر الحج» مرة كل عام في مثل هذه الأيام تلغى فيه كافة الفوارق الجنسية واللونية والعرقية والطبقية والاجتماعية ليصبح أكثر من مليوني حاج على خط دائري واحد. ومعظم نقاد العصر ينظرون إلى هذه المنطقة الشاسعة بأنها مرتبطة بلغة واحدة ودين واحد وعادات متقاربة، وأنه من الصعب بالتالي التحكم في مصائرها من الخارج.

غير أن الدول الأوروبية لا تريد أن تقتنع بشيء من ذلك، وتصر على إقامة علاقاتها على أساس مصالحها من طرف واحد فقط. وهنا تبرز مسألة هامة جداً ربما تستفيد منها السياسة الفرنسية القادمة وهي أن الشرق الأوسط والدول العربية والإسلامية بشكل عام لم تتخلص بعد من مبادئها الأخلاقية في التعامل مع الآخر.

فنادراً ما تبني علاقاتها مع الأجنبي على أساس مصلحة مادية بحتة. بل إنها كثيراً ما ضحت بالمصالح المادية والاقتصادية بغية المحافظة على علاقات (إنسانية) مع هذه الدولة أو تلك. وهناك أدلة كثيرة على ذلك. وهذا يدل على أن الغرب لا يدرس سيكولوجية وثقافات المجتمعات (أياً كانت) التي يتعامل معها ولكن يركز كل تفكيره وهمه على دراسة نسبة المردود المادي: الاقتصادي والتجاري والاستثماري والمالي الذي يمكن الحصول عليه من تلك العلاقة.

وبمجرد انتهاء صلاحية المصلحة تنقلب الأمور رأساً على عقب. بل الأسوأ من ذلك، أنه في بعض الأحيان تقوم مصالحه على هذه الدولة وتلك وتفتح له الأبواب لتنفيذ مخططاته الاقتصادية ومع ذلك يقف ضدها ويهاجمها ويصوت ضدها في اجتماعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن أوفي أي مناسبة أخرى وينتهي به المطاف بشن حروبه عليها (طب ليه؟).

البعض يصف هذا التصرف بالوقاحة والآخر بأنه ابتزاز والثالث بأنه استهتار بالمستضعف في لحظة استسلامه. هذا ما يغيب عن بال الساسة الغربيين في تعاملهم مع شعوب المنطقة. ولكن ما يغيب عن بالهم أكثر وهو أكثر أهمية وربما عرض مصالحهم آجلاً أم عاجلاً للخطر هو أن هذه الشعوب تملك القدرة الكامنة على التغيير ومنها تغيير أنظمتها.

والدليل على ذلك أن معظم الدول العربية شهدت في القرن الماضي سقوط الملكيات بانقلابات نفذها ضباط عاديون جداً أو بمقاومة لا تعرف الرحمة نظمها مواطنون أشراف ضد الاستعمار الأجنبي. مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا والجزائر وتونس، إلخ، كلها تجارب مرة لم يتعلم الغرب منها شيئاً بالمرة.

وظل يتعامل مع العالم من منظور الهيمنة العسكرية والعضلاتية لتحقيق أغراض مادية بحتة ودون مقابل وكان يعتمد في كثير من الأحيان على أنظمة دكتاتورية تحمي مصالحه. وهذا ما حدث في إيران زمن الشاه. إلى أن أطاح الإمام الخميني بالإمبراطور وأطاح معه بالمصالح الأميركية دون خوف أو رهبة. وخسرت الولايات المتحدة إلى يومنا هذا ونتيجة لتلك السياسة المادية الأحادية الجانب موقعاً استراتيجياً ومخزوناً نفطياً خطيراً في منطقة الشرق الأوسط ولم تعرف بعد ذلك كيف تتعامل مع الأزمة بشكل أكثر دبلوماسية.

والأمثلة لا تعد ولا تحصى التي تفضح التعامل الغربي المزري مع الدول الإسلامية والعربية منذ الاستعمار إلى يومنا هذا. ويرفض الغرب الاستسلام بتعديل أسلوب تعامله. ويصر على رسم سياسته وكأنه يعيش في زمن الاستعمار ولكن بأدوات ومعدات حديثة. وهي أيضاً سياسات لن يكتب لها النجاح.

هناك عدم ثقة وهناك شك وهناك كره وهناك نفور وهي تراكمات تاريخية ونفسية وثقافية لا متناهية أخذت حيزاً كبيراً من تفكير ونفسية شعوب المنطقة تجاه الدول الغربية. ولا يمكن كشطها أو إزالتها بلمسة زر واحدة. لا بد أن يفهم الغرب بأن كل مصالحه معرضة للخطر وهذه المرة قد ستكون بلمسة زر واحدة غير متوقعة. وأن عليه التعامل مع هذه الشعوب على أن أنظمتها مؤقتة وأنها غير مستقرة ومتقلبة وتعمل تماماً كالعمليات الاستشهادية والانتحارية دون سابق إنذار.

كل عربي ومسلم على وجه الأرض طرح هذا السؤال: نحن نعرف تماماً ومنذ زمن طويل ماذا تريد الولايات المتحدة من العرب ومن المسلمين ومن خيراتهم. ولكن ماذا تريد فرنسا اليوم منهم؟ ولماذا هذا الاهتمام غير الطبيعي بهم؟ ولماذا هذا الإحساس بأن فرنسا عادت من جديد لتفرض نفسها وصياً على مقدراتهم؟ وهذا التساؤل ليس مبنياً قط على وهم.

فتجربة المسلمين والعرب مع فرنسا منذ آلاف السنين إلى استقلال الجزائر ما زالت تدرس في مدارسنا وكتبنا وبيوتنا وأحاديثنا اليومية. وعلى هذه المشاعر قامت بعض الأصوات الرسمية في الجزائر مثلاً برفض زيارة الرئيس الفرنسي إليها. من كان يستطيع أن يتحدث بهذه اللهجة أثناء الاستعمار الفرنسي للجزائر؟ اليوم جزء كبير من الشعب اللبناني على سبيل المثال يرفض التدخل الأجنبي ومن ضمنه تدخل فرنسا في الشأن الداخلي اللبناني.

من كان يجرؤ حتى قبل أربعين عاماً فقط على الاعتراض على وصاية فرنسا على اللبنانيين؟ الشعوب تتطور ثقافياً وتتحرر سياسياً ولو بنسب مختلفة. ولكن لا يمكن إيقاف أو إعاقة هاتين الظاهرتين، ويجب بالتالي التعامل مع تطور الشعوب وتحررها من منطلق الأمر الواقع.

الشعوب العربية والإسلامية تشجع بل وتطالب بالتقارب مع كل الدول المتقدمة علمياً وتكنولوجياً، ومن حقها أن تستفيد من تجاربها كما استفادت من تجاربنا في الماضي. ولكن أي فرد واحد من هذه الملايين المنتشرة شرقاً وغرباً لن يرضى أن يصبح طرفاً في أمة أو شعب يعامل وكأنه بقرة حلوب مربوطة في جانب من الحقل، يؤخذ لبنها ويستخدم روثها لتسميد الأرض ويرمى لها ببعض الحشائش تتغذى عليه لتسمينها ومن ثم تذبح ويؤكل لحمها متى حان الوقت لذلك.

وبناء عليه تساءل الكثيرون عن سبب الاهتمام الفرنسي الكبير بشمال افريقيا، أو إن كانت فرنسا قد درست مسبقاً نفسية الشعب الشمال إفريقي قبل نفسية النظام الذي يحكمه. وما مغزى هذا الاهتمام بليبيا بعد أن كانت تمثل قبل سنوات مضت بلداً إرهابياً ونظاماً ديكتاتورياً يجب إزالته من على وجه الأرض؟ ولماذا أعطيت زيارة الرئيس معمر القذافي كل هذا الاهتمام؟ هل لخاطر العشرة مليارات يورو على شكل صفقات تم إبرامها؟

أم أن هناك بقرة حلوباً أخرى يجب الإسراع في سحبها إلى الحظيرة قبل أن يصل الآخر؟ إذن، أين يا ترى تبخرت المبادئ التاريخية الفرنسية وحقوق الإنسان والحريات؟ أم أن ليبيا هي ذلك الحمل الوديع الضال الذي عاد أخيراً لحظيرته؟

لا نعلم بالضبط ماذا يدور في أذهان الساسة الفرنسيين. ولا يهم ماذا يدور في أذهانهم. المهم أن الشعوب العربية والمسلمة سئمت العلاقات المادية. هم في حاجة إلى فولتير وبودلير ومونتسكيو وآرثور رامبو (الشاعر الفرنسي وليس بطل الأفلام الأميركي) وفيكتور هيجو (الذي يشاع أنه تحول للإسلام ومات مسلماً تماماً كما حصل لنابليون بونابرت!!) وغيرهم من الأدباء والمفكرين الفرنسيين المهووسين بالشرق والفكر الإسلامي والعربي وليس فقط لبعض الرأسماليين المتعطشين لليورو لا أكثر.

نحن نريد عولمة بالمعنى الشامل للكلمة. مع هذا لا نزال في انتظار أن نعرف بوضوح إن كان هناك أمر آخر وراء زيارة الرئيس معمر القذافي إلى باريس؟ أم أن نية فرنسا صافية تجاهنا نحن العرب والمسلمين؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com