خارج بيئته الطبيعية، بدا رئيس الحكومة الإسرائيلية وكأنه شرب حليب السباع واندمج أكثر مما ينبغي في مناخ العلاقات الدولية، الذي ضمه في أنابوليس إلى عشرات المسؤولين رفيعي المستوى الذين جاءوا يمثلون أكثر من أربعين دولة ومؤسسة دولية وإقليمية، خصوصاً وقد تحقق له بعض مما أراد، بحضور ممثلي ست عشرة دولة عربية أغلبيتها لا تقيم علاقات مع إسرائيل.
وعلى الرغم من تواضع النتائج التي تحققت في أنابوليس، حيث بدا أن العالم كله يتضامن مع الحقوق الفلسطينية ويدعمها، وأن المجتمع الدولي يعبر عن إرادة ورغبة جماعية في توفير فرصة حقيقية أمام تسوية الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، وتشجيع الأطراف على البدء بمفاوضات حثيثة وحقيقية لإنجاز تسوية خلال عام 2008، والاتفاق على آليات متابعة، بالرغم من كل ذلك، إلا أن ما جرى بعد أيام قليلة من المؤتمر أعاد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الاجتماع الدولي.
في اجتماعه الأول بعد عودته، قدم إيهود أولمرت لأعضاء حكومته عرضاً لما جرى في أنابوليس شدد فيه على أنه لم يقدم أي تنازل عن الثوابت الإسرائيلية، وربما قدم لهم بعض الحلوى احتفالاً بنجاحه وتيمناً بإمكانية تحقيق المزيد من النجاحات لسياسة التمترس خلف اللاءات الإسرائيلية، وأول ما صدر منها إنكار وجود جدول زمني للمفاوضات.
على أنه حين عاد لبيئته الطبيعية، عاد لينسجم مع عناصر التطرف الذين تحفل بهم حكومته من أفيدور ليبرمان النازي العنصري، إلى إيلي بن يشاي زعيم حركة شاس الدينية، إلى وزير دفاعه إيهود باراك زعيم حزب العمل الذي لا يرى غيره يستحق موقع رئاسة الحكومة، والمؤهل لقيادة قطار السلام، الأمر الذي يجعله في حالة تعارض مع أولمرت.
في الخامس من الشهر الجاري، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن إرساء عطاءات لبناء ثلاثمئة وسبع وحدات سكنية في جبل أبو غنيم بالقدس (ما يسمونه مستوطنة هارحوما)، التي سبق لزعيم الليكود بنيامين نتانياهو أن اضطر لوقف البناء فيها حين كان رئيسا لحكومة إسرائيل عام 1997.
ولتأكيد إصرار حكومة أولمرت على ما أقدمت عليه، أصدر مجلس حاخامات إسرائيل فتوى دينية تمنع أي تنازل عن القدس، فيما أكدت مصادر حركة «السلام الآن» الإسرائيلية، أن الاستيطان لم يتوقف وأن الحكومة خلال السنوات العشر الأخيرة لم تدمر سوى 3% من المباني التي تصفها بغير الشرعية.
تلاحق هذا العدوان الإسرائيلي النوعي الخطير، بتصعيد عدواني على مختلف مدن وقرى الضفة الغربية، وعلى قطاع غزة بشكل خاص، حيث للمرة الأولى منذ خروج إسرائيل من القطاع في سبتمبر 2005، يتحرك عدد كبير من الدبابات والآليات إلى عمق القطاع، وقطع الطريق الرئيس الذي يربط شمال القطاع بجنوبه، مما أدى إلى وقوع عشرات الشهداء والجرحى.
العدوان الإسرائيلي النوعي على قطاع غزة، جاء قبل يوم واحد من الموعد المحدد لبدء المفاوضات الثنائية الفلسطينية الإسرائيلية التي جرى التحضير لها وانطلقت الأربعاء الماضي، بتشكيل تسع لجان وطواقم فلسطينية متخصصة تغطي كافة القضايا المطروحة على مائدة التفاوض الصعب.
السلوك الإسرائيلي الذي يتصل بموضوع البناء في جبل أبو غنيم بالقدس، شكل مفاجأة بالنسبة للفلسطينيين والعرب وللأطراف الدولية التي اجتمعت في أنابوليس. وفيما أعلنت فرنسا الرسمية عن دهشتها لما يجري، فإن الإدارة الأميركية طلبت توضيحاً من الحكومة الإسرائيلية أتبعته، بحسب الصحافة الدولية، بتوبيخ عبرت عنه بوجود وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني خلال حضورهما اجتماع الناتو في بروكسل.
ويبدو أن حكومة أولمرت تدرك ما تفعل، فلقد عاودت التأكيد بعد كل ما صدر من إدانات وتحذيرات، على أنها لن تتراجع عن قرارها، وبأنها ستمضي في البناء بأقصى سرعة، ذلك أنها (أي حكومة أولمرت) تدرك أيضاً محدودية قدرة إدارة بوش على ممارسة الضغط أو ربما تواطؤها على خلفية التوافق، انطلاقاً من حسابات تتصل بدور اللوبي اليهودي في أميركا خلال الانتخابات الرئاسية القريبة.
ليس هذا فحسب، بل إن سلوك حكومة أولمرت يندرج في سياق ابتزاز الموقف الفلسطيني الذي يرفض الحلول الانتقالية، ويرفض الدولة ذات الحدود المؤقتة من واقع خشيته بأن تصبح دائمة، كما يصر على ضرورة أن تشمل المفاوضات كافة ملفات التسوية النهائية.
إسرائيل تراهن على الموقف الأميركي المساعد، وعلى ميل لدى الكثير من العرب الرسميين للقبول بالتسويات الجزئية على قاعدة «خذ وطالب»، كما تراهن على التناقضات الداخلية الفلسطينية، حيث إنها تضع القيادة الفلسطينية أمام خيار إما أن تقبل، أو أن إسرائيل يمكن أن تذهب نحو البديل وهو حركة حماس، التي تطرح منذ فترة حلاً مؤقتاً يقوم على مبدأ الموافقة على هدنة طويلة مقابل دولة فلسطينية.
يعيدنا الطرح الإسرائيلي إلى ما كان شارون طرحه في أول مرة انتخب فيها لرئاسة الحكومة في يناير 2001، حين طرح الحل الاستراتيجي بعيد المدى، وبعدها خطة الفصل أحادي الجانب التي بدأت في غزة وتوقفت عند حدود الفشل الإسرائيلي في لبنان العام الماضي، والتي استندت إلى وثيقة الضمانات الأميركية في ابريل 2004.
وبغض النظر عن الصيغة التي يجري فيها تسويق أفكار شارون، فإن أولمرت يقدم معادلة تقول إما أن توافق منظمة التحرير الفلسطينية على موضوع الدولة اليهودية، وإما عليها أن تقبل بالتسويات الجزئية، إذ يجري تفسير موافقة الحكومة الإسرائيلية على رؤية الدولتين التي يطرحها ويتمسك بها الرئيس بوش، على أنها تعني دولة خالصة لليهود مقابل دولة خالصة للشعب الفلسطيني.
وبلغة مباشرة يعني ذلك إلغاء حق عودة اللاجئين، الذين بإمكانهم أن يعودوا إلى دولة الشعب الفلسطيني، وترحيل الفلسطينيين الباقين على أرضهم منذ عام 1948 إلى الدولة ذاتها، مقابل عودة المستوطنين إلى الدولة اليهودية.
ويبدو أن الولايات المتحدة تشارك إسرائيل هذا الفهم، وإلا لكانت إسرائيل امتنعت عن تصعيد عدوانها الاستيطاني في الأساس، مما يعني أن الضغط الأميركي والضغط الذي يمارسه بعض العرب، سيتجه نحو الطرف الفلسطيني المفاوض، وقد ظهرت بعض المؤشرات على ذلك من خلال طريقة التعامل مع كوتة الحج الفلسطينية، حيث جرى خروجهم من غزة عن طريق معبر رفح، الذي لا تسمح إسرائيل لأحد بعبوره دون موافقتها.
وفي السياق ذاته تندرج بداية الحديث الإسرائيلي العلني عن عدم أهمية انعقاد مؤتمر دولي في موسكو، خصوصاً بعدما تصورت إسرائيل أنها نجحت في تحقيقه باستدراج سوريا لحضور مؤتمر أنابوليس، مما ينطوي على اعتراضات قد تمنع عقد الاجتماع الذي أبدت روسيا استعدادها لاستضافته في إطار آليات التحشيد الدولي لمتابعة مفاوضات التسوية، فيما يكون مؤتمر باريس ضرورياً لأنه يقدم للفلسطينيين جزرة.
وإذا كان الفلسطينيون لا يستطيعون مجابهة الإرادة الدولية والعربية الدافعة نحو تحريك قطار السلام، فإن من المنتظر أن يخوضوا معركة مفاوضات صعبة، بل أكثر صعوبة من الاعتداءات العسكرية المدمرة التي لم تتوقف إسرائيل عن ارتكابها ضد الفلسطينيين، الأمر الذي يطرح أمام كافة المسؤولين الفلسطينيين المتصارعين، ضرورة البحث عن مخارج لأزمتهم وانقسامهم وصراعهم، كما قال وزير الخارجية السعودي، لتحصين جبهتهم بما يمكنهم من الصمود في وجه التحديات الخطيرة التي تنتظرهم جميعاً.
كاتب فلسطيني