حين عقدت واشنطن نية غزو العراق وإسقاط نظامه واحتلاله لم تستأذن أحداً ولا استمعت لنداء من أحد .. اتخذت قرارها من رأسها وحزمت أمرها وامتشقت عدتها وأسلحتها وذهبت إلي الميدان العراقي لا تلوي على شيء .وكانت تلك حالة نادرة من العناد والمكابرة وقد تلبست أقوى دولة عرفها التاريخ، تماماً كما يمكن أن تتلبس شخصاً ما فقد رشده وغرته الأماني.
على ضفاف هذه الحالة وتوابعها،انتهكت قوانين وأعراف وتقاليد ومقررات ومحرمات دولية، توافقت عليها البشرية وبذلت في سبيلها ما يعز عن الحصر من الأنفس والموارد والوقت والجهد.
ووقتذاك بدت الأمم المتحدة، الحارس الأشهر لهذه الحقائق التاريخية، بين أبرز ضحايا الاستقواء الأميركية العراقية، حتى قيل في استضعافها واستصغار شأنها وقلة حيلتها وبؤس مصيرها الكثير.
وقد استندت هذه الأقاويل إلي وقائع عيانية ملموسة،مثل تخطي واشنطن لدور مجلس الأمن بعد فشلها في إجباره على شن الحرب باسمه، ورفضها انتظار الرأي النهائي لفريق التفتيش الدولي برئاسة هانز بليكس في زعم استحواذ بغداد على أسلحة الدمار الشامل.
بيد أن أصحاب هذه الأقاويل ومعهم الغيورون على مقام عالم الشرعية والقانون الدوليين، استبشروا خيراً عندما بدا لهم أن واشنطن راحت تعيد النظر في تحليقها بعيداً عن السرب وتسعى إلى إشراك المنظمة الدولية في الملف العراقي وتعترف بأن وجودها في العراق هو أحد أنماط الاحتلال.
كان من المفهوم للكافة أن هذا التحول جاء نتيجة ظهور خطأ في الحسابات وخيبة التوقعات وانفضاح سلسلة الأكاذيب الأميركية التي تأسست عليها الحرب على العراق. وقد ألمح البعض إلى أن واشنطن ما أرادت بتدويل هذا الملف إلا إشراك الآخرين في تحمل تبعات وأعباء عهد الانفراد به.
وعلى الرغم مما ينطوي عليه هذا التصرف من انتهازية، فانه قوبل بالترحيب، كونه يسمح بتدارك مكانة الأمم المتحدة وبتبصير واشنطن بفضيلة العمل الدولي الجماعي وقد يؤدي إلى عقلنتها تجاه قضايا ساخنة أخرى.
والحق أن سياسة تقليل خسائر الجموح الأميركي ومحاولة المداراة على خطيئة غزو العراق واحتلاله التي مارسها كبراء الفواعل الدوليين عبر الأمم المتحدة، أدت إلى نشوء وضع بالغ الغرابة ..
فطبقاً لقرار مجلس الأمن رقم 1723 صارت قوات الاحتلال الأميركية وغير الأميركية قوات متعددة الجنسيات، مع أن الفارق بين المفهومين شاسع لجهة الأسباب والأهداف والمرجعية القانونية والسياسية.
ثم ان واشنطن بمجرد أن حصلت على ما يشبه التأييد الدولي لسلوكها بأثر رجعي، صارت تمتعض وتغضب ممن يصف فعلتها العراقية بالغزو والاحتلال!. والأكثر مدعاة للدهشة أن أحداً ما لم ولا يسعه تحديد الدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة بالضبط في الملف العراقي منذ إسقاطه في حجرها..
فباستثناء بعض التحركات الإنسانية والمداخلات السياسية الشكلية أو الهامشية (كمراقبة الانتخابات النيابية) بدت المنظمة الدولية أقرب إلى شاهد الزور. أما القرارات الفاصلة الفاعلة في تعيين حال العراق ومآله فقد ظلت معلقة في ذمة واشنطن بلا منازع.
لهذا ونحوه، لا ندري ما وجه الحكمة في مباهاة البعض بأن العراق يتجه إلى التحرر من وصاية الأمم المتحدة من بداية 2009، وأنه لن يتم التمديد لوجود القوات متعددة الجنسية هناك بعد هذا التاريخ الذي سيعلن عودة العراق دولة كاملة السيادة ..
وأن اتفاقية للصداقة والتعاون الممتدين في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية ستعقد بين الحكومتين العراقية والأميركية، وستكون القوات الأميركية وحدها هي القوات الأجنبية على أرض العراق.
من يطالع هذا الحديث يتصور أن الوجود الدولي في العراق تحت عنوان القوات متعددة الجنسية هو الأصل فيما الوجود الأميركي لا يعدو كونه فرعاً. بل ربما ذهب البعض إلى أدهى من ذلك وأمر، وهو أن القوات الأمريكية جاءت لتحرير العراق من وصاية الأمم المتحدة وجحافلها متعددة الجنسية.
هذا في حين أن التعرف على حقيقة المشهد العراقي يقتضي مراجعة التسلسل التاريخي للأحداث علاوة على معطيات هذا المشهد على أرض الواقع. ترى ما الدور الذي تمارسه «القوات متعددة الجنسية» هناك قياساً بدور القوات الأميركية وحجمها ونفوذها؟
بناء على إجابة عن هذا السؤال المعلومة بالضرورة، تثور تساؤلات أخرى: ما الذي سيطرأ على الحالة العراقية في التحليل النهائي، لجهة استقلالها واستقرارها وسيادتها، إذا ما انسحب الجميع وبقي الأميركيون تحت شعار «الصداقة والتعاون والشراكة الاستراتيجية»؟
ألم تكن القوات غير الأميركية قد غادرت أو أزمعت بالفعل على مغادرة العراق قبل نهاية العام 2008؟.. ومن ثم، ألا يعد اتفاق الصداقة الوشيك محاولة للتغطية على وجود القوات الأميركية المنفرد وإعطائه صبغة شرعية من لدن نخبة حكم عراقية بعينها؟
بكلمات أخرى أكثر مباشرة، ألن يعني هذا الاتفاق، وفقاً لما رشح عن فحواه، تحول العراق من حالة وصاية الأمم المتحدة المدعاة إلى الوقوع تحت نوع من «الحماية الأميركية»؟.
يقال في كل حال أن الاتفاق سيضمن الوجود الأميركي العسكري طويل العمر الذي قد يمتد لأجيال داخل العراق. وهذا يستدعي للذهن نماذج العلاقة الأميركية بكل من اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية. وما نعرفه مع الكثيرين أن الوجود الأميركي أصبح مع توالي السنين جزءاً من النسيج السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي لهذه البلدان.
وصار أقرب إلى الأبدي والدائم منه إلى الانتقالي والمؤقت. وإذا ما مضينا في هذه المحاكاة وصلنا إلى صحة الاعتقاد الذي يراودنا مع البعض منذ سنوات، بأن واشنطن ستلجأ إلى لملمة قواتها داخل قواعد عسكرية كبيرة، يجري انتقاؤها لوجستيا بحيث تضمن السيطرة والتحكم والتوجيه في عراق الغد بأقل الخسائر.
ولأن العراق ليس اليابان أو ألمانيا أو كوريا، ولأن مساحة الخلاف بين العراقيين حول الوجود الأميركي وتكييفه هي من الاتساع بحيث يصعب ان لم يستحل توفير بيئة مواتية له، فان استقرار اتفاق التعاون ـ وربما إقراره أصلا ـ يظل محفوفاً بالشكوك.
والواقع أن ردود الأفعال السلبية العراقية لم تتأخر كثيراً في هذا الإطار. ولعل أكثرها حصافة تلك التي اعتبرت أن أي اتفاق أميركي عراقي في السياق الراهن يفتقد شرط التكافؤ بين الطرفين .
والرأي أن العراق بحاجة إلى تعظيم دور الأمم المتحدة على طريق التحرر والاستقلال والوحدة الإقليمية وجدولة انسحاب الوجود الأميركي العسكري الكامل،وليس العكس الذي يعني تخليد هذا الوجود.
كاتب وأكاديمي فلسطيني