الضجة الإعلامية التي قامت إثر نشر تقرير مجلس الاستخبارات الوطني الأميركية ( إن آي إي)، وهو مجلس يضم ست عشرة وكالة مخابرات في الولايات المتحدة ويعتبر أهم مرجعية لتقييم القضايا التي تخص أمن الدولة، حول البرنامج النووي الإيراني قد أغفلت الكثير مما ورد فيه، خاصة بعد أن ساهمت إيران في تضخيم أهميته لأسباب محض داخلية، أما على المستوى الإستراتيجي الدولي فالوضع بشكل عام باق على حاله.

ما قاله الأميركيون من مواقع قيادية على لسان الرئيس بوش ووزيرة الخارجية رايس ووزير الدفاع غيتس ومستشار الأمن القومي هادلي، وما صرح به المسؤولون في الترويكا الأوروبية ليس في الحقيقة غير تصعيد للموقف المعادي لإيران من منطلق ما يلي:

1. التقرير لم يذكر أن إيران لا تشكل تهديداً لأمن الشرق الأوسط.

2. التقرير يشير إلى أن إيران كان لديها نوايا لصناعة سلاح نووي أوقفته في عام 2003.

3. التقرير لا ينفي إمكانية معاودة الإيرانيين لنشاطهم في هذا المضمار.

4. التقرير يؤكد وبدرجة عالية من الثقة بأن إيران قد أبقت خيار صناعة سلاح نووي مفتوحاً.

5. التقرير لا يستبعد لجوء إيران إلى استخدام مرافق سرية بدلاً من مواقعها النووية المعلن عنها لإنتاج اليورانيوم المخصب لصنع السلاح.

6. التقرير يؤكد بثقة عالية بأن إيران تمتلك القدرة العلمية والتقنية والصناعية لإنتاج أسلحة نووية في حال قررت ذلك.

التقرير ذو طبيعة مهنية ولا ينبغي التركيز على فقرة واحدة منه، فهو كلُ متكامل يؤشر، من غير شك، في غير صالح إيران، ولا يرى فيه الرئيس بوش ما يتعارض مع سياسة إدارته، إيران في سباق مع الزمن للحصول على التكنولوجيا اللازمة للتعامل مع دورة الوقود النووي، وتخصيب اليورانيوم أعقد وأصعب وأهم ما في هذه الدورة، فهي تمتلك الآن ثلاثة آلاف جهاز طرد مركزي وتسعى لتشغيل خمسين ألف جهاز آخر في السنوات الخمس القادمة، مقابل 300 جهاز فقط كانت لديها في العام الماضي.

الولايات المتحدة مشغولة بجوهر الإستراتيجية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط، وهي الرغبة في مشاركة الولايات المتحدة نفوذها في المنطقة أو إزاحتها عنها، وهي إستراتيجية في تضاد تام مع الإستراتيجية الأميركية خاصة بعد أن أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم. فالولايات المتحدة ترى بأن إصرار إيران على امتلاك التكنولوجيا النووية سوف يجعل سياساتها في الشرق الأوسط في مواجهة صعوبات جدية.

من السذاجة أن تطمئن إيران إلى ما ورد في التقرير وتعتبر مضمونه انتصاراً لسياستها كما ورد على لسان رئيسها، ففي هذه اللعبة المعقدة الصعبة المسالك، بين الغرب وإيران، تكمن قضايا لها استحقاقات بعيدة المدى. فالولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيون يرون بأن إيقاف الشق العسكري من البرنامج النووي ليس أكثر أهمية من معاودة إيران عملية تخصيب اليورانيوم في عام 2006، بعد أن أوقفتها تحت الضغوط الدولية لمدة عامين.

بماذا نفسر مطالبة وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في كلمته أمام منتدى حوار المنامة، بعد صدور التقرير الاستخباري، دول الخليج بتشكيل جبهة موحدة للتصدي للطموحات الإيرانية وإجبار إيران على التخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم، ومطالبته هذه الدول بإنشاء منظومة إنذار مبكر لإحباط أي تهديد فعلي يأتي من الشاطئ الشرقي للخليج.

وبماذا نفسر تأكيدات البنتاغون بأن التقرير الاستخباراتي الأميركي الأخير، الذي أشار إلى توقف إيران عن برنامج تسلح نووي منذ عام 2003، لن يؤثر على خطط الطوارئ القائمة لشن ضربة وقائية محتملة ضد إيران.

وبماذا نفسر تصريح وزيرة الخارجية الأميركية مؤخراً «أن معظم الدول ترى بأننا نتبع الإستراتيجية الصحيحة ويبقى الموضوع الأهم هو إرغام إيران على إيقاف برنامجها النووي وذلك كخطوة نحو الدخول في مفاوضات حول توفير وسائل حصولها على الطاقة النووية للأغراض السلمية».

كان للتقرير ردود أفعال متباينة كالعادة فقد أربك صدوره إسرائيل واعتبرته بعض صحفها بمثابة ضربة تحت الحزام، فقد نزع هذا التقرير، ولو لأمد محدود، فتيل أزمة وأبعد قراراً كان على وشك أن تتحرك أساطيل بحرية وجوية في إثره، وقد أخبرت الولايات المتحدة أصدقاءها ذوي العلاقة بالملف النووي الإيراني بأبرز ما ورد في التقرير قبل نشره في وسائل الإعلام.

ففي مؤتمر أنابوليس الذي عقد في الولايات المتحدة مؤخراً وبينما كان أعضاء الوفد الإسرائيلي منشغلين بالتحاور مع بعضهم حول ضعف فرص التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين وتوافر الفرص للمزيد من التصعيد ضد إيران واستغلال وجودهم هناك لممارسة المزيد من الضغوط على البيت الأبيض.

انفرد وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس بنظيره الإسرائيلي إيهود باراك ليهمس في أذنه بأن التقرير الذي سينشر عن الاستخبارات الوطنية الأميركية يشير إلى أن إيران لم تعد تشكل خطراً.

وقد صرح باراك في وقت لاحق لراديو الجيش الإسرائيلي «يبدو أن إيران قد أوقفت برنامجها العسكري في عام 2003 لفترة زمنية محدودة، إلا أنها عاودته فيما بعد»، وأضاف «نحن نتحدث عن مسار معين يرتبط بالبرنامج النووي الإيراني يتبعه الأميركيون، وربما يتبعه آخرون، لم يؤد إلى نتيجة إيجابية». ويبدو من هذه الملاحظات التي أبداها باراك بأنه يرى بأن التقرير الاستخباري الأميركي قد وُضع في أجواء تفتقر إلى الدقة العالية الضرورية في قضية كهذه.

وتعتبر إسرائيل نفسها المتضرر الأول من البرنامج النووي الإيراني، ففي السابع من ديسمبر الجاري أبلغت دوائر الموساد الإسرائيلي مجلة تايم بأن هذا الجهاز قد وضع مهمة التجسس على البرنامج النووي الإيراني في مقدمة مهامه على مدى السنوات الخمس المنصرمة. وفي ضوء المعلومات المتوفرة لديه فإن إيران ستصبح دولة نووية بحلول عام 2009.

كما صرح أحد الوزراء الإسرائيليين بأن إيران سوف تبقى العدو رقم واحد لإسرائيل، فالتقرير الأميركي «لا يعني أن إيران قد تحولت إلى سويسرا تصنع الشوكولاته فقط»، فإيران تمتلك صواريخ بعيدة المدى وهي لا تزال مستمرة في تقديم الدعم إلى حزب الله وإلى حركة حماس المعاديين ولا تزال تدعو لتدمير إسرائيل، فالموقف الأميركي الأخير لا يطمئن إسرائيل.

هنالك ثغرات تجلب الانتباه في عمل مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي وتثير التساؤل حول قدرات هذا الجهاز في رصد أمور على هذا المستوى من الحساسية.

أولها أن هذا المجلس قد أكد في تقريره عام 2005 بأن إيران مستمرة في برنامجها النووي العسكري، وهذا في تناقض واضح مع ما ورد في تقريره الأخير، وثانيها هو الإشارة إلى أن إيران قد أوقفت الشق العسكري من برنامجها النووي استجابة للضغوط الدولية التي تصاعدت عليها وبسبب خوفها من التعرض إلى حصار اقتصادي يدمر خططها الطموحة.

وهذا في الحقيقة ما لم يحدث، إذ لم يشهد عام 2003 أية ضغوطات على إيران، بل لم تُطرح فكرة فرض عقوبات عليها ولم تكن الولايات المتحدة قد رسمت سياسة واضحة للتعامل مع الشأن الإيراني بعد.

لقد شهد عام 2003 أكبر حدث في الشرق الأوسط وهو الاحتلال الأميركي للعراق، وربما يكون هذا الحدث هو ما دعا إيران إلى التوقف عن البرنامج لاسيما أن الأشهر الأولى من الاحتلال شهدت هدوءاً في الساحة السياسية العراقية تبشر بنجاح الولايات المتحدة في فرض الواقع الجديد على الحدود الغربية لإيران.

الرئيس الأميركي يجد نفسه، وهذه ليست المرة الأولى، وسط تجاذب جناحين في إدارته: بين متشددين يفضلون اللجوء إلى خيار القوة ودبلوماسيين يرون من الأفضل التريث وتأجيل ذلك إلى حين. فقد يكون في نشر هذا التقرير رجحان كفة الجناح الثاني على الأول.

كاتب عراقي

ea.ten.setarime@lamajam