لقد بات واضحاً أن أي ديمقراطية تأتي بما لا تريده أميركا لا تعتبر ديمقراطية، وهذا ما شاهدناه في العديد من التجارب في السنوات الماضية في فلسطين وفنزويلا وبوليفيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وغيرهم، وللأسف الشديد أن بعض الأوروبيين يحبون الرقص على العزف الأميركي، خاصة بعد ظهور موضة المراقبين الدوليين للانتخابات.

حيث نلاحظ دائما أن هؤلاء المراقبين لا يدلون برأيهم فور انتهاء التصويت في الانتخابات، وهو المفترض بحكم عملهم ووجودهم في اللجان الانتخابية، و لكن ما يحدث أنهم ينتظرون حتى تعلن النتائج، فإذا لم تأت بما تشتهي واشنطن انتقدوها وقالوا إنها غير مطابقة للمواصفات الديمقراطية .

هذا ما حدث في الانتخابات البرلمانية الروسية التي أجريت في الثاني من ديسمبر الجاري، حيث كانت النتائج شبه معروفة مسبقاً ولم تكن تحتاج لأي تلاعب أو تزوير، فشعبية الرئيس بوتين في روسيا كاسحة ولا يختلف عليها أحد حتى في الغرب، ونزوله الانتخابات على رأس قائمة حزب «روسيا الموحدة» جعل هذه الانتخابات البرلمانية تتحول في جوهرها إلى استفتاء على سياسة بوتين.

ولهذا جاءت نتيجتها باكتساح حزب بوتين وحصوله على أكثر من 64% مع حزب العدالة المؤيد له أيضا الذي حصل على 8% من الأصوات ليحتل نهج بوتين أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان.

مما يعني سيطرته التامة على السياسة الروسية خلال الأعوام القادمة، ولم يكن الأوروبيون ولا واشنطن يتوقعون غير ذلك، ولهذا بحث الأوروبيون عن حجة قبل الانتخابات تعفيهم من حضورها فقالوا إن السفارة الروسية في بروكسل تتلكأ في إعطائهم التأشيرات للسفر، فردت عليهم السفارة بأن تأشيراتهم جاهزة ليتفضلوا بأخذها، فاضطروا للحضور .

وشهدت الانتخابات إقبالاً لم يحدث من قبل في تاريخ الانتخابات في روسيا ولا في أوروبا ولا أميركا بالطبع، فقد أقبل على التصويت نحو ثمانين مليون مواطن روسي، وجرت عملية التصويت في هدوء ونظام شهد به الجميع، وجاءت النتائج أيضا كما توقع الجميع.

فقط الاستثناء مع اليمين الديمقراطي المؤيد والمدعوم من واشنطن والذي كان يتحكم في مقاليد الأمور في الدولة في عهد الرئيس الراحل يلتسين والذي لم يستطع في هذه الانتخابات أن يحصل على مقعد واحد في البرلمان حيث لم تحصل أحزابه الأربعة على أكثر من 5,2% من الأصوات بينما النسبة المطلوبة لدخول البرلمان 7%، وهذه في حد ذاتها فضيحة كبيرة .

هذه النتيجة المتوقعة التي جاءت بعد انتخابات هادئة ومنظمة دفعت المراقبين الدوليين إلى الإسراع بإبداء رأيهم الإيجابي في الانتخابات، حيث صرح المراقب الأميركي (مايكل كولينز) للصحافيين بأنه لم يشهد في الولايات المتحدة انتخابات ديمقراطية ونزيهة مثل التي شهدها في روسيا اليوم.

وصرح نائب رئيس الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبية «كيمو كيليونين» بأنه لم يلحظ أية خروقات في الانتخابات وفرص الأحزاب كلها كانت عادلة ومتساوية، وحزب روسيا الموحدة لم يستغل شعبية بوتين بأي شكل من الأشكال، وعملية التصويت كانت نزيهة وشفافة ولا توجد أية اعتراضات من أية جهة .

في اليوم التالي خرج تصريح من البيت الأبيض في واشنطن يشكك في ديمقراطية الانتخابات، بعد هذا التصريح خرج رئيس الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبية «يوران لينماركير» بتصريح للصحافيين يقول فيه إن الانتخابات لا تطابق المواصفات والمعايير الأوروبية.

وعندما سأله الصحافيون عن أوجه اعتراضاته على الانتخابات لم يجب، وأجاب آخر هو ليوك فان دين رئيس بعثة الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا (وليته ما أجاب).

حيث قال إن نزول الرئيس بوتين بشعبيته الكاسحة الانتخابات على رأس قائمة أحد الأحزاب أمر غير عادل، وهنا رد عليه أحد الصحافيين متسائلاً وما المخالفة في ذلك إذا كان القانون لا يمنع؟

وسأله آخر «القانون الأميركي لا يمنع الرئيس بوش من الترشح في الانتخابات البرلمانية على رأس قائمة الحزب الجمهوري، وأيضا القوانين الأوروبية لا تمنع الرؤساء، فما ذنب الرئيس بوتين إذا كانت هذه هي شعبيته ومن حقه أن يختار الحزب الذي يريده؟».

على ما يبدو أن من حق واشنطن والأوربيين أن يعترضوا على هذه الانتخابات، ليس لأنها غير ديمقراطية، ولكن لأنها كما قال فان دين لا تطابق المواصفات والمعايير الغربية، هذه المعايير التي لا تعرف ولا تريد زعيماً وطنياً مخلصاً يحبه شعبه ويتمسك به لهذه الدرجة.

ويكفي كما قال البعض إن بوتين نفسه جازف بنزول الانتخابات مراهنا على شعبيته، وكانت فرصة لخصومه أن يسعوا لإثبات وجودهم أمامه وإثبات رغبة الشعب فيهم، ولكن على ما يبدو أن إرادة الشعوب وخيارها لم يعد هو معيار الديمقراطية على الطريقة الأميركية .

elmoghazy@hotmail.com