غدا يُسدل الستار على آخر يوم من أيام معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته السادسة والعشرين، ليُعلن اختتام واحدة من أهم الفعاليات الثقافية على المستوى المحلي والعربي والعالمي أيضا.

حضوري لمعرض هذا العام كان مختلفا عن كل عام، إذ يلزمني عملي عادة بالإقامة في مدينة العين طيلة أيام الأسبوع، والمسافة بين العين والشارقة أطول من أن أتمكن من أن أقطعها يوميا بعد انتهاء محاضراتي التي تقع غالبا في منتصف اليوم، خصوصا حين أفكر في الأزمة المرورية الخانقة في الشارقة في الطريق المتجهة نحو المعرض، لذلك لا يكون نصيبي من المعرض عادة إلا أياما معدودة أصيبها في إجازة نهاية الأسبوع.

أو حسب ما تقضي الظروف من عام لآخر. في هذا العام كان الأمر مختلفا؛ فقد كان لالتزامي بمؤتمر خاص بالاتحاد العربي للنشر الإلكتروني الذي عُقد على هامش هذا المعرض لمدة أربعة أيام متواصلة دور كبير في وجودي في المعرض على امتداد ساعات اليوم في الفترتين الصباحية والمسائية، ما مكنني من متابعة حركة الزوار وطريقة تجولهم في المعرض بين حين وآخر، في الأوقات التي كنت وزملائي نسترقها بين جلسة وأخرى من جلسات المؤتمر.

كذلك كان لمشاركة دار نشر محلية جديدة تمتلكها إحدى صديقاتي دور أكبر في تقريبي من هؤلاء الزوار في بعض أوقات الفراغ التي أحببتُ فيها أن أمارس دور «البائع» الذي يُروّج لمنتَج ـ ولكنه ثقافي ـ هو على قناعة شديدة جدا بأهميته وفائدته، لذلك قمتُ بذلك الدور عن طيب خاطر.

في البداية لا بد من أن أشير إلى أنني لاحظت تراجع نسبة الزوار هذا العام عن كل عام، ولعل هذا الأمر مرتبط بتزامن المعرض مع امتحانات وزارة التربية والتعليم. لكن هذا لا يعني أن قاعات المعرض وأروقته كانت خالية، بل على العكس تماما، كان الازدحام شديدا، لكنه بدا أقل من المعتاد سنويا.

الأمر الآخر هو أن الفعاليات المصاحبة للمعرض، ضمن البرنامج المهني، أو البرنامج الفكري، أو غيرهما كانت كثيرة ومتنوعة وتتناسب مع مختلف الميول والاتجاهات، وعلى الرغم من هذا كان عدد الحاضرين في تلك الفعاليات قليلا جدا، مقارنة بعدد المتجمعين في الساحة المتوسطة بين القاعات الأربع لشرب القهوة وتبادل الحكايا والأخبار!

إن إشكالية غياب الجمهور عن حضور الفعاليات الثقافية من الإشكاليات القديمة والدائمة عندنا، ولكننا دائما نعيدها إلى انشغال الناس بأمورهم الحياتية الخاصة، وإرجائهم كل ما عداها إلى أجل لا مسمى، حتى يفرغوا من مشاغلهم الخاصة ثم يتفرغوا للمشاركة في الفعاليات الثقافية والفكرية التي تُقام على أرض الدولة.

ولكن هذا لا ينطبق على الوضع الذي نراه في معارض الكتب على سبيل المثال، أو في بعض المؤتمرات التي تُقام بين حين وآخر، إذ نجد الجمهور متجمعا خارج القاعات لمجرد الكلام وتدخين السجائر وشرب القهوة والشاي، في حين يجلس المحاضر الذي أتى من داخل الدولة أو خارجها تاركا أعماله والتزاماته الخاصة في قاعة شبه خالية، يتحدث أمام أشخاص لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.

ولأن هذه الإشكالية من الإشكاليات المزمنة في وسطنا الثقافي، وقد سبق لي ولغيري الكلام عليها بكثرة، فإنني لن أطيل التوقف أمامها، وسأكتفي بهذه الملاحظة العابرة عنها، دون أن أستطيع تقديم حل جذري لها، لأنها إشكالية مركبة ومكونة من عدة عوامل تتعلق بالجمهور من جهة، وهو الملام دائما على عدم التفاعل، لكنها تتعلق من جهة أخرى بموضوع الفعالية.

وبخلفية الجمهور عن طريقة عرض هذا المتحدث أو ذاك لموضوعه، وإن كان ممن يحرصون على التجديد في الفكرة وطريقة العرض أو ممن يكررون أنفسهم دون خجل. كما تتعلق من جهة أخرى بالجهة المنظمة التي يجب أن تراعي هذين العاملين المرتبطين بالجمهور من جهة وبالمحاضر من جهة بحيث تختار الشخص المناسب للمكان والوقت المناسبين، فلا تقع في الحرج أيضا من تنظيم فعالية ما فلا تجد إقبالا مناسبا عليها.

ومن الأمور الأخرى التي لاحظتها أثناء تجولي في المعرض، وأثناء قيامي بدور «البائع» أيضا، الثقة المطلقة التي يحملها بعض أفراد الجمهور لدور النشر دون غيرها. وهذا أمر طبيعي، ربما لم أكن لألاحظه لولا وجودي في المعرض هذا العام فترة أطول من المعتاد.

وأيضا مما جعلني أستشعر هذا الأمر الذي أدرك أنه موجود عندي أيضا، وزاد إحساسي به بعد أن قرأته في وجوه الجمهور المتجول في المعرض، وفي ردود أفعالهم تجاه كتب يحملها أحدهم بما يشبه الإعجاب، ولكنه حين يتراجع إلى الخلف ليعرف في أي دار هو، تتغير ملامح وجهه، ويترك الكتاب بلا مبالاة ويذهب.

لا بد أن كل واحد منا يشعر بثقة واطمئنان تجاه منشورات بعض الدور التي يرى أنها تقدم له شيئا جديدا دائما، أو أنها تفيده في المصادر الخاصة بتخصصه أو باهتماماته، أو غير ذلك، لكننا نبحث دائما عن الجديد.

ونحاول أن نوسع من دائرة ثقتنا والجهات التي نستقي منها مصادرنا، لأننا نؤمن أن المستجدات في مجال النشر والمعلومات تتطور على نحو مذهل، ولا مناص من أن نجاري هذا التطور، وأن نحرص على الاطلاع على كل جديد ومفيد. أما الإصرار على الإبقاء على القديم دون الاطلاع على الجديد والإفادة منه فلن يساعدنا على التقدم خطوة واحدة.

الملاحظات في هذا الموضوع كثيرة، وكل ملاحظة منها تحتاج إلى مقالة منفصلة، لكني سأنتقل إلى الكلام على خبرتي السريعة التي اكتسبتها من القيام بدور «البائع» في جناح دار النشر التي تمتلكها صديقتي.

لقد كانت ملاحظتي الأولى بمجرد وقوفي في الجناح هي أن الإنسان يحتاج في كثير من الأحيان إلى أن يُعرِّف بما لديه، حتى يعطي الآخرين فرصة الحكم عليه، فقد كان زائر الجناح يمرّ وينظر عن بعد، لكنه لا يمسك الكتاب أو القصة ويتصفحه ليرى إن كان مناسبا له أو غير مناسب، فكنت أطلب من الزائر أن يتصفح الكتاب وأنا أناوله إياه وأعطيه فكرة عن مضمونه.

ومن خلال حوارات كثيرة دارت بيني وبين بعض الزوار وجدتُ أن الإنسان بالفعل يحتاج إلى من يخبره عن المنتَج كي يقبل عليه ويحرص على أن يمتلكه، أو كي يشعر بقناعة تامة بأن هذا الكتاب «المنتج» غير مناسب له.

كذلك كشفت لي هذه التجربة البسيطة أن أفراد مجتمعنا من مواطنين ومقيمين يهتمون كثيرا بتشجيع المشاريع الإماراتية الناشئة، فهذه الدار جديدة وهي لمواطنة إماراتية لا تزال تخطو خطواتها الأولى في عالم النشر، فكان كثير من الزوار يشترون من هذه الدار لمجرد أن يعرفوا أنها دار إماراتية، لمواطنة إماراتية، وأن بعض الإصدارات الموجودة فيها أيضا مكتوبة بأقلام إماراتية. إن هذا التشجيع بحد ذاته كان يمثل دعما لا حدود له.

قبل أن أنهي سطوري هذه يهمني أن أذكر موقفا لفت انتباهي أثناء قيامي بدور «البائع» في هذا الجناح حين مرّ ثلاثة شباب يبدو عليهم أنهم من إحدى الدول الآسيوية، لكني لم أتبين من ملامحهم إلى أية دولة ينتمون، فدعوتهم للاقتراب وإلقاء نظرة على منشورات الدار، فاقتربوا وألقوا التحية بعربية ليست واضحة تماما، لكنها مفهومة، والذي كان لافتا في عربيتهم جدا هو أنهم كانوا يستخدمون المستوى الفصيح منها، فسألتهم أولا من أي دولة هم، فقالوا إنهم من الهند!.

من اللازم ألا يثير وجود ثلاثة شباب هنود أي استغراب في نفس أي إماراتي لأنهم يمثلون نسبة كبيرة من عدد السكان في الدولة، لكن وجودهم في معرض الكتاب في القسم الخاص بالكتب العربية هو الذي أثار استغرابي، فنحن قد اعتدنا رؤية أفراد من هذه الجالية وغيرها في القسم الأجنبي.

وهو ما لا نشعر إزاءه بأي عجب، أما أن نجدهم في القسم العربي فهو ما لفت انتباهي حقا، خصوصا أن نظراتهم الفاحصة التي كانت تمرّ على أسماء الدور وعناوين الكتب بحرص نادر كانت تعكس شغفا حقيقيا بالقراءة والمطالعة.

لقد كنتُ أراقب نظراتهم وأتمنى بيني وبين نفسي بصدق أن أستعيرها لبعض شبابنا وشاباتنا الذين لا يعرفون إلى اليوم كيف ينظرون إلى الكتب ليعرفوا ما يناسبهم مما لا يناسبهم. ولا أنسى أن أذكر أن هؤلاء الشباب الثلاثة مقيمون في الدولة للعمل، وليس للدراسة، أو لتعلم اللغة العربية، ولكنهم حريصون على القراءة بالعربية التي يجيدونها.

وكما أخبروني، فإنهم قد درسوا علوم العربية في بلدهم الهند، ويعرفون علوم المعاني والبيان والبديع، والنحو وفقه اللغة، كما يعرفون الفقه والتفسير، وغير ذلك، وهم حريصون على أن يواصلوا القراءة في هذه العلوم كي يجددوا معلوماتهم، ويحافظوا في الوقت نفسه على ما يمتلكونه منها!

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com