يبدو أن محاولات الاتفاق على قواسم مشتركة بين العالم العربي وأميركا مثل البحث عن عنقاء في زمن بادت فيه الكائنات الخرافية، ولم تعد موجودة إلا في أذهان صناع السينما بهوليوود.
وأغلب الظن أن كيانا مثل الولايات المتحدة بنشأتها وتاريخها الاستثنائي غير قابل لفكرة البحث عن مشتركات مع أحد حتى مع أوروبا التي خرجت من رحمها، ومع العالم الذي يحتضنها ويجعلها سيدته والمتصرفة في شؤونه، فكون أميركا محاطة بمحيطات تفصلها عن العالم خلق مشكلة في التواصل مع الآخر.... والآخر هو هنا العالم كله.
وربما تفاقمت قصة التواصل هذه بمجيء المحافظين الجدد إلى السلطة، حيث قطعوا الخطوط الواهنة التي كانت تعين أميركا ولو قليلا على تفهم الآخر، ونقلوا العلاقات مع الجميع من خانة التكافؤ السياسي والحضاري إلى خانة أخرى يراد فيها لأميركا وحدها أن تأمر وللعالم أن يطيع بغير مناقشة.
انطلاقا من المعطيات السابقة ساءت علاقات واشنطن مع الجميع، ولم يبق هناك من أصدقاء للعاصمة الأميركية، جل ما تبقى أتباع هنا وهناك يستمدون بقاءهم من الرضا الأميركي. فالأصدقاء أصبحت هناك فجوة تفصلهم، من سوء الفهم وسوء التقدير وكثير من العجرفة وأحيانا الغباء الذي لم يعد يقتصر على مستوى سياسي معين في الإدارة الأميركية، بل يشمل الجميع اتباعا لقاعدة «إذا كان رب البيت بالدف ضاربا».
لهذا لم يكن خطاب روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي في حوار المنامة مفاجئا إلا من حيث حدوثه أمام العدسات وكونه يأتي في محفل مفتوح وليس في غرف مغلقة، مما أتاح التقاط ردود الفعل التلقائية للطرف الآخر المخاطب والمتمثل في مسؤولي دول مجلس التعاون.
كان البعض يتصور ان غيتس يتحلى بقدر من التعقل والفهم للآخر لكنه أثبت أنه لا يقل عجرفة وسوء تصرف عن سابقه دونالد رامسفيلد، ويبدو أن آلة السياسة الأميركية لا تترك لأحد حرية أن يضفي عليها مسؤول لمساته الشخصية، بل هي التي تفرض ذاتها عليهم وتجعلهم ينسون حتى أفكارهم التي رافقتهم إلى لحظة تسلم مناصبهم، ففي مداخلته بـ «حوار المنامة» لم يكن غيتس يختلف كثيرا عن جون بولتون أبشع وجوه المحافظين الجدد.
سواء من حيث تضخيمه للخطر الإيراني ومحاولة إلقاء تقرير المخابرات الأميركية الأخير إلى سلة المهملات لمجرد أنه تحدث عن معلومات حقيقية تثبت أن إيران تخلت عن طموح امتلاك أسلحة نووية قبل أربع سنوات، ربما لتسحب الذريعة التي هاجمت أميركا بمقتضاها العراق.
يرى بولتون من جانبه في التقرير مؤامرة داخلية أميركية للتأثير على صناعة القرار، فهو برأيه «سياسة متنكرة في هيئة مخابرات» بل يصل إلى حد وصفه بأنه «شبه محاولة انقلاب»، وهذا العداء الفج سببه أن ذلك يبطل وجهة نظره المعلنة والمتمثلة في أن «تغيير النظام أو استخدام القوة هما الخياران الوحيدان المطروحان لمنع إيران من الحصول على أسلحة».
وإذا كانت إيران قد راجعت حساباتها وكفت مساعيها للحصول على هذه الأسلحة، فكيف له أن يؤلب عليها، ومن أين تعتاش مصانع السلاح ؟ وما هي الطرق التي يؤمن بها اللوبي الصناعي - العسكري مستقبله إن لم تكن هناك حروب في الأفق؟.
بنفس المنطق الميكيافيللي الذي يجعل رخاء الأميركي مستمرا في التحقق ولوعبر الولوغ في دماء الشعوب الأخرى وقتل مئات الآلاف منها، تحدث غيتس عن «الشيطان» الإيراني الذي لا يحق له امتلاك أي سلاح مقابل «الملاك» الذي لا ينبغي أن يثير خوف أحد رغم امتلاكه ترسانة نووية تكفي لإبادة نصف العالم مما جعل القاعة تنفجر بالضحك، ودفع مسؤولين خليجيين كبار إلى التعليق على مقولات الوزير الأميركي وتفنيدها.
وربما يحتار صانع القرار العربي كيف يوصل وجهات نظره للسياسيين الأميركيين، وهم لا يرون شيئا في المنطقة إلا من منظار أكثر القادة الإسرائيليين عنصرية وتشددا، كيف يفهم الكاوبوي الأميركي أن هناك شعبا كاملا انتزعت أرضه وتشرد في المنافي.
وهذا الشعب لم يكن بدائيا كالهنود الحمر رغم بدائيتهم لم تكن مبررا أخلاقيا لإبادتهم على نحو ما فعل أجداد غيتس وبولتون وبوش ورايس، كيف يفهم الأميركي أن هناك شعوبا في المنطقة تعايشت وتمازجت مع بعضها طوال التاريخ رغم أن بعضها قد يجور على الآخر في فترات تاريخية محددة ثم يعود عن جوره، وأن هناك شعبا آخر طارئ ودخيل جاء من أصقاع الدنيا ليتخلص العالم الغربي من شروره ويبتلى بها العالم العربي.
هذا الشطط الأميركي في التعامل مع إيران ينبغي أن يكون دافعا لها لتعيد حساباتها وترد حقوقا جارت عليها، فالموقف الذي بدأ جليا في «حوار المنامة» يؤكد ان العرب واعين تماما لما يخطط له الأميركيون، وأنهم ليسوا على استعداد للانسياق في إطار نزواتهم التي تستهدف وضع اليد على البترول الإيراني مثلما فعلت في العراق، وأن ذرائع واشنطن لم تعد تنطلي على جيران إيران، ومن ثم على الأخيرة ان تعمل كل ما في وسعها لإبقاء هذا الود الذي يمثل درعا لطهران أكثر مما تمثله أسلحتها وصواريخها.