من بين الأزمات الإقليمية العديدة تبرز المسألة الكردية دائماً على مقدمة المسرح السياسي، وحالة التوتر السائدة منذ عدة أسابيع على الحدود العراقية ـ التركية تؤكد هذه القاعدة.
تتسم المسألة الكردية في تركيا بوجود جرعة قوية من الانفعالات، ولا يعود ذلك فقط إلى العدد الكبير للأكراد في تركيا وإنما أيضاً لحالة العنف التي خلقها حزب العمال الكردستاني والتي يتأثر بها المجتمع التركي كله، خاصة بين 1984و1999.
وحتى لو كانت حكومة حزب العدالة والتنمية قد استفادت من خمود الكفاح المسلح إثر اعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان في شهر فبراير 1999 من أجل القيام بإصلاحات فيما يخص حقوق الأقليات، فإن ذكرى حالة رعب تلك السنوات لا تزال قائمة في الأذهان.
كما ان الوضع السياسي في العراق يزيد من حدّة مطالب حزب العمال الكردستاني التي تتأرجح بين الاستقلال الذاتي والاستقلال الكامل. مع ذلك ينبغي على المجتمع التركي ان يجد لديه القدرة على تجاوز المخاوف المرتبطة بإمكانية اقتطاع جزء من ترابه الوطني. ان تركيا الجمهورية دولة تقوم على أسس متينة وينبغي عليها عدم الإفراط بالتخوّف من المخاطر الكامنة حيال إمكانية تفككها.
ومهما كانت الميول السياسية التي يمكن إظهارها إزاء المسألة الكردية فإن المطلوب أولاً هو طرح المشكلة في جميع أبعادها وعدم الرضوخ للتبسيط الذي لا يؤدي إلى نتيجة تذكر. ولا يمكن اعتبار «القضية الكردية» أنها تقدمية بجوهرها وبالمقابل ان سياسة الجمهورية الكردية هي رجعية وقمعية.
ان مثل هذا التبسيط الكاريكاتوري لا يأخذ باعتباره تعقيد الحقائق، لذلك يبدو من المفيد التذكير بالإطار التاريخي لهذا الملف الشائك. تأتي أهمية المسألة أولاً من واقع ان الأكراد يشكلون شعباً من 25 إلى 30 مليون نسمة بدون دولة وموزعون بين تركيا وإيران والعراق وسوريا وبدرجة أقل في أرمينيا وجورجيا. وهذا يعني ان الإشكالية لا تخص تركيا فقط وإنما هي إقليمية ودولية.
وتندرج المسألة الكردية في سياق من تهجير الأكراد من مناطق تواجدهم التقليدية وحيث هناك حركة هجرة كبيرة إلى أوروبا الغربية تكتسي حساسية خاصة في حالة ألمانيا إذ يتواجد ما يقارب الـ 500000 كردي من أصل 5. 2 مليون مهاجر تركي.
ان السياسة التي شرع بها مصطفى كمال أتاتورك، ومع أنها بعيدة عن أي عداء حيال أتراك البلاد ولا تملك أية مسحة اتنية أو عنصرية، فإنها لم تمنع الأتراك والأكراد من ان يجدوا أنفسهم وجهاً لوجه بسبب السمة القومية للمشروع الكمالي القائم على أسس الأفكار الفرنسية لثورة 1789، أي وجود دولة ولغة وأمة.
هذه السياسة التي افترضت الأكراد كجزء لا يتجزأ من الأمة التركية تضمّنت تجاهلهم كأقلية مما أثار ثلاث حركات تمرد كبيرة بين 1925و1938، جرى قمعها بشدة من قبل الجمهورية. ولا يزال هناك اليوم الكثير من القوميين الأكراد الذين يشجعون الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني ويعتبرونه في نفس نهج حركات التمرد السابقة التي قادت معركة تحريرية ضد الدولة المركزية.
مع ذلك كانت تلك التمردات قد قامت من قبل رؤساء قبائل وعشائر واخوانيات رجعية اعتبروا ان مصالحهم الإقطاعية قد تهددت من الجمهورية التركية الفتية. كذلك تنبغي الإشارة إلى ان الذين خلفوا مصطفى كمال ظلوا أوفياء لسياسة الاندماج، الأمر الذي لم يمنع العديدين من الموطنين الأتراك ذوي الأصل الكردي من الوصول إلى مراكز المسؤولية العليا في جهاز الدولة مثل رئيسين للجمهورية هما عصمت اينونو وتورغوت أوزال.
ومن المألوف ان يقال بشيء من الهزل ان الأكراد يمثلون المجموعة الأكبر في الجمعية الوطنية (البرلمان) إذ ان قسماً مهماً من الـ 550 نائباً تركياً هم من أصل كردي موزعون بين جميع الأحزاب السياسية.
هذا بالإضافة إلى ان حزباً كردياً له مجموعة برلمانية من عشرين نائباً منذ الانتخابات التشريعية لشهر يوليو 2007. هذه المعطيات كلها تدل على إمكانية الاستجابة لتطلعات الأكراد بواسطة الوسائل الديمقراطية الموجودة أصلاً في النظام السياسي التركي.
وعلى عكس ما يزعمه البعض، إن الأكراد في تركيا لا يشكلون فئة سياسية متجانسة موحدة في صراعها ضد الدولة المركزية. ونعرف مثلاً ان حزب العمال الكردستاني قد اعتمد على بعض العشائر والقبائل ضد أخرى أعلنت موالاتها للدولة. كذلك يظهر تحليل نتائج الانتخابات التشريعية الأربعة الأخيرة ان الخطاب القومي الكردي لم يكن معبأً.
وفي جنوب شرق تركيا، وبشكل أوضح بين سكان هذه المنطقة الذين هاجروا إلى التجمعات السكانية الرئيسية في وسط وغرب البلاد، تأكّد ان أثر الاندماج في المدن الكبرى جعل الأحزاب التي تنادي بالهوية الكردية لا تتجاوز إلا نادراً نسبة 3 بالمئة في الانتخابات.
ان فشل مختلف استراتيجيات المنظمات الكردية في تركيا منذ عقود ينبغي ان يقود إلى إعادة النظر في الأسس الفكرية والسياسية للمسألة. مع ذلك لا بد من القبول باستمرار وجود مطالب كردية لا يمكن اختزالها إلى الجنوح الإرهابي لحزب العمال الكردستاني.
والدولة التركية عليها ان تسمح بتطوير نشاطات ثقافية يستطيع بواسطتها المواطنون الأتراك ذوو الأصل الكردي استعادة امتلاك المرجعيات الخاصة بالهوية التي يطالبون بها. مثل هذه التطورات ينبغي ان تتم بصورة إرادية ومدروسة، وهذا هو مبدأ المساواة الذي ينبغي ان يسود وليس مبدأ مصادرة حق الاختلاف.
المهم هو ان يتيح الإطار القانوني والسياسي بالخيارات الفردية. ورفض الطائفية لا ينبغي ان يعني عدم تمكّن كل فرد من العيش في إطار احترام انتماءاته الخاصة بالهوية والثقافية هذا مع التطلع صوب ما هو كوني.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس