نحن أمام واقع لا يمكن الهروب ولا التهرب منه ولا الالتفاف عليه ولا دس رؤوسنا في الرمال أمامه، كما حصل مع كثير من قضايا الأمة العربية والإسلامية التي ذهبت أدراج الخيال. وهذا الواقع تعامل معه مجلس التعاون الخليجي لحسن الحظ بواقعية تتماشى مع تعقيدات وتشابك المصالح الدولية في هذا القرن.
قبل عقود كنا نعيش حالة من الهذيان والتخيل والأحلام التي أرجعتنا مئة سنة للخلف واستيقظنا وقد أضعنا عمرنا في الأحلام والشعارات. فلا فلسطين عادت، ولا الوحدة العربية تحققت، ولم نستقل عن وصاية الغرب في تقرير مصيرنا أو تحديد حدود خواطرنا رغم احتفالاتنا السنوية بأعياد الاستقلال، ولم تستطع الأمة العربية رغم عدد سكانها الهائل والضخم من إنتاج دراجة هوائية واحدة!
هناك واقع على الأقل يجب أن نتعايش معه نحن في مجلس التعاون بعيداً عن التأثيرات العاطفية والضغوط الخارجية والأحلام القمرية. وعلينا الاعتراف بأننا لم نعد اليوم تلك القرى الصغيرة التي تعيش على صيد السمك ولا تحسب حساباً للغد.
اختلفت الظروف وبرزت من حولنا دول أصبح لها ثقل سياسي واقتصادي وعسكري يستحيل تجاهله، إلا إذا أردنا أن نعود إلى دوامة التمنيات والتصورات الماضية التي أخرتنا مئة قرن.
وكانت لفتة ذكية جداً حضور الرئيس الإيراني اجتماعات القمة الـ 28 لمجلس التعاون الخليجي في الدوحة ليكون أول رئيس إيراني يحضر قمة للمجلس منذ تأسيسه في عام 1981. رغم أنه ليس أول رئيس دولة أجنبية يحضر هذه الاجتماعات.هذا الحضور له دلالاته التي لا تخفى على أحد.
أولاً بالنسبة لدول المجلس. فأحداث المنطقة ـ التي تمتد من لبنان إلى سوريا إلى العراق وخصوصاً جنوب العراق الملاصق لحدود الكويت والقريبة من الحدود السعودية وهما عضوان في مجلس التعاون ـ تلعب إيران فيها دوراً كبيراً جداً.
ويبدو أن أي حل لمسألة الفوضى المستمرة في العراق منذ سقوط صدام حسين يتوقف اليوم من بين أمور أخرى على إشارة صادرة من إيران. وأنه ما دام العنف مستمراً ومتزايداً في العراق فإن المنطقة برمتها ستظل تغلي وقد تنفجر معها دون مقدمات.
فمن مصلحة المنطقة وضع أولويات مصالحها قبل تاريخ عواطفها لاجتذاب هذه الجمهورية المندفعة مع رئيس ضرب بالدبلوماسية في علاقاته مع الغرب عرض الحائط ولم تعد تهزه أو تردعه لا تهديدات الأساطيل الغربية ولا حصارها الاقتصادي ولا مؤامرات اللوبي الصهيوني في العالم.
لقد ظلت العلاقات ما بين دول مجلس التعاون وإيران منذ عهد الشاه في حالة عدم استقرار وعدم ثقة من بين الطرفين خاصة بعد قضية احتلال الجزر. وقد استغلت بعض الجهات الخارجية الفرصة ولعبت دوراً خطيراً في زرع الفتنة والخوف والشك ما بينهما.
إلى أن اكتشفت دول مجلس التعاون أخيراً أن هذا الخوف لن يؤدي إلى استقرار المنطقة بل إلى زيادة التوتر، ولن يؤدي النفور من ساسة إيران إلى إعادة الجزر المحتلة بل إلى استمرار احتلالها، وأن تجنب الحوار مع دولة بحجم إيران في المنطقة (بغض النظر عمن يضع الخطوط العريضة لسياساتها) يشبه دس الرؤوس في الرمل.
ثم تأتي مسألة المصالح الاقتصادية والتبادل التجاري. كيف يمكن تجنب شريك اقتصادي مثل إيران لا تفصلها عن دول مجلس التعاون من أولها إلى آخرها سوى عدة كيلومترات من البحر؟
كيف يمكن في الألفية الثالثة أن تتفق دول مختلفة لغة وديناً وحضارة وشعباً ومستوى اقتصادياً ومتفرقة جغرافياً بينما تختلف دول اتفقت في كل هذه المسائل أو كادت؟ من هذا المنطلق بل ومن هذا المنطق وجدت دول المجلس أن الوقت ليس متأخراً جداً عن مشاركة إيران في تخطيط مستقبلها السياسي والاقتصادي.
أما بالنسبة للقضايا العالقة فإن هناك ألف طريقة وطريقة لحلها بالطرق السلمية والحوار. أما في هذه الأيام، فنحن أمام قضايا مصيرية تتلخص في مبدأ: نكون أو لا نكون. وقد تعلمنا من دروس التاريخ ما يكفينا، وأن سياسة الانغلاق وسد الأبواب والنوافذ لم ينتج عنها سوى تجرؤ السمك الكبير على ابتلاع السمك الصغير.
ومما يؤسف له أن بعض الأقلام لم تر في حضور الرئيس الإيراني لقمة الدوحة سوى المسائل التي نختلف فيها معها. ولا نعرف لماذا لا ننظر إلى هذا الحضور بشكل متفائل واعتباره بداية للقاءات أخرى دافئة قد تذيب الثلوج المتراكمة بين العرب والفرس منذ عهد قراقوش؟
لقد ركزت بعض الأقلام وبشدة على تجاهل الرئيس الإيراني في كلمته بعض المسائل العالقة وعلى رأسها الملف النووي وغيره من الأمور التي لم يأت هذا الرئيس هنا لطرحها أو لحلها في كلمته.
كيف يجوز أن ننظر إلى أطراف أصابعنا ونتجاهل البعبع الواقف أمامنا، في الوقت الذي تغلي فيه المنطقة على كافة الأصعدة؟ وبينما الرئيس بوش لا يفوت فرصة دون الإشارة إلى احتمال ضرب إيران وبالتالي انفجار تلك القنبلة الموقوتة من تحتنا من إيران إلى العراق إلى شبه الجزيرة العربية؟ لنتخطى أولاً حدود الخطر من ثم لكل حادثة حديث.
وربما يغفل الكثيرون من مفكرينا وفلاسفتنا ومنظرينا اليوم أن العصر الذي نعيش فيه هو عصر اقتصاد لا عصر مسميات.الدول التي لا اقتصاد لها لا وجود لها. فعلى سبيل المثال لا المقارنة، إن استمرار الاتحاد الأوروبي لم يكن ممكناً
لولا قيامه على المصالح الاقتصادية التي تربط دوله فيما بينها، ونحن نعلم كم من التضحيات قدمتها تلك الدول لقيام هذا الاتحاد فيما بينها؛ تضحيات ثقافية وسياسية وتاريخية وحتى اقتصادية. فما الذي يمنع هذا التوجه في المساحة الجغرافية التي تربط دول مجلس التعاون مع إيران بل والهند وباكستان.
إن معظم الخلافات التي تنشأ بين الدول يمكن التوصل إلى حلها دون اللجوء إلى الهتافات والبيانات والاحتجاجات التي لا طائل منها. وإحدى طرق الحل، هو الحل الاقتصادي، والشراكة الاقتصادية والتعاون الاقتصادي والاستثمار والتنمية والتبادل التجاري.
هناك مشاريع مشتركة مهمة جداً لا بد من التفكير جدياً في تنفيذها على أساس من الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة. فما الذي يمنع مثلاً من إنشاء خط سكة حديد تصل دول مجلس التعاون مع إيران؟ وقد طرح هذا الموضوع بالفعل في اجتماع هذه القمة.
إن الخوف الذي نشأ لدى شعوب المنطقة منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران والمسائل التي ظلت عالقة منذ عهد الشاه قد تتبدد في لحظة واحدة في حالة قيام تعاون اقتصادي وتجاري واستثماري ما بين الطرفين.
إن التعاون الاقتصادي بين أي شريكين وجني ثماره يزيل كل أنواع العداء والمخاوف ويحل محله نوع من الترابط الداخلي الذي يصعب تفكيكه ما دامت المصالح مشتركة. وقد أرادت إيران من خلال حضور هذا الاجتماع الدخول من هذا الباب وليس من باب المجاملات الرسمية.
لقد انتهى عهد الرسميات وافتتاح السفارات والزيارات الودية والخطب الرنانة. لقد دخلنا عصر المال والاقتصاد والتجارة والعولمة. فهل نبقى دائماً في نهاية المطاف وفي الوقت الضائع وفي الفرص الفائتة والماضي الذي لا يعود؟
وهذا ما حدا بالدول الغربية بالتردد في تأييد سياسة الرئيس بوش في ضرب إيران. وربما بوش نفسه يعلم حق اليقين أن ضرب إيران سيضر بمصالح بلده (الاقتصادية) أكثر من أي وقت مضى بعد تجربة العراق.
وهي تجربة مؤلمة وشبه فاشلة ونستطيع أن نشبهها بعملية جراحية في قلب السياسة الاقتصادية الأميركية. فمن ذا الذي لديه الاستعداد النفسي والمادي لإجراء عمليتين جراحيتين متتاليتين وفاشلتين في نفس القلب؟
ولهذا السبب لم تعترض لا الدول الغربية ولا حتى الولايات المتحدة الأميركية (إن لم يكن الأمر بإيعاز منهم) على حضور الرئيس نجاد هذه القمة في مثل هذا التوقيت بالذات، باعتبار أن التقارب مع إيران من خلال دول مجلس التعاون هو خير أسلوب لـ (ترويض) هذا المارد الذي أراد أن يتحكم في مصير المنطقة دون أن يستطيع أحد إيقافه عند حدوده، وبالتالي يجنب العالم من حرب عالمية ثالثة تقع على سواحل الخليج.
جامعة الإمارات