منذ قيام إسرائيل أي منذ ستين عاماً وهي دولة بلا دستور، ذلك لأن فاتحة الدستور عادة ما تكون تعريف الدولة ومرجعيتها وانتماء سكانها وهذا لم تستطع إسرائيل تحديده عند قيامها لأسباب عديدة منها الإيديولوجي ومنها الزعم بأنها دولة ديمقراطية ومنها أخيراً الموقف من المواطنين غير اليهود أي سكانها العرب، وبقي الخلاف والاختلاف قائماً بين التيارات السياسية والفكرية والاجتماعية الإسرائيلية حول كونها دولة اليهود أم دولة يهودية.
وبالتالي حول تحديد موقفها من المهاجرين اليهود الجدد ومدى يهوديتهم التي يقررها كبار الحاخامات، وحول النتائج المترتبة على تبني أي من التعريفين على مواطنيها، فالأول يعتمد على معايير الدولة الحديثة مع امتيازات لليهود المهاجرين الجدد (منحهم الجنسية فور قدومهم فضلا عن الامتيازات الأخرى) وعن العلاقة مع يهود العالم بالإضافة إلى الاعتراف بالمواطنين غير اليهود وإن كانوا يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية وتمارس عليهم فنون التفرقة العنصرية.
سواء بالملكية أم الوظائف أم التعليم أم الخدمات الاجتماعية أم الحقوق السياسية والقومية وغيرها، أما تبني التعريف الثاني أي (الدولة اليهودية) أو يهودية الدولة فهو يعني عدم الاعتراف بمواطنية أحد غير اليهود في الدولة.
وقد اختلف القادة الصهاينة قبيل قيام الدولة حول أي من التعريفين يتبنون وتغلب رأي (بن غوريون) وتياره السياسي، فسميت دولة إسرائيل ولكن لم يتم الاعتراف بهذه البنية اعترافاً كاملاً، فأبقيت الدولة دون دستور ودون تعريف نهائي لماهيتها وبنيتها وفلسفتها أي أنها كانت نتيجة تسوية غير دائمة.
تحققت أهداف الصهيونية كإيديولوجية مع قيام دولة إسرائيل، ولم تعد بحاجة لهذه الأيديولوجية في الواقع، لأنها حققت غرضها الأساسي من جهة ولأنها من جهة ثانية تتعارض في حال استمرارها مع الحداثة.
وتتناقض دولتها مع معايير الدولة الحديثة وعلى رأسها أن الدولة الحديثة هي دولة المواطن الفرد الحر المتساوي مهما كان دينه أو كانت قوميته وثقافته، وهذا ما يتناقض جذرياً مع معايير يهودية الدولة التي لا تحقق هذه المعايير، لكن القادة الصهاينة سكتوا عن هذا التناقض وأبقوا الأمور غير واضحة بل تقصدوا إبقاءها غامضة.
فلم يقرروا يهودية الدولة ولم يغيروا مفهومها حسب معايير الحداثة أو معايير الدولة الحديثة، وكانت إشكالية كبيرة أحدثت تناقضات جدية داخل المجتمع الإسرائيلي، وإن لم تأخذ حيزاً واسعاً في العلن وفي وسائل الإعلام والثقافة.
وسكت العالم كله، بل سكت فلاسفة العالم وتياراته السياسية عن هذه المفارقات وعن الممارسات التي تقوم بها الحكومات الإسرائيلية والمؤسسات الإسرائيلية في حيز الواقع دون أن تعطي صفة أيديولوجية أو رسمية.
يبدو أن الحكومة الإسرائيلية ومعظم التيارات السياسية الإسرائيلية وبعد انزياح المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين والضعف العربي البيّن والدعم الغربي الصريح وتجاهل العالم لجرائم إسرائيل وعنصريتها، يبدو أن هذا كله شجع الحكومة الإسرائيلية أن تعلن بلا حياء ولا خوف رغبتها بتحويل إسرائيل إلى دولة يهودية.
رغم موت الصهيونية غير المعلن وتراجع الإيديولوجيات في هذا العصر وترسخ مفاهيم الحداثة وخاصة في وضوح واستقرار معايير الدولة الحديثة، والملاحظ أن هذا الطرح الغريب عن مفاهيم عصرنا وعن أسس النظام العالمي الجديد، لم يحرض أحداً تقريباً لا في أوروبا ولا في الولايات المتحدة لشجبه واستنكاره.
وبيان تخلفه الإيديولوجي والسياسي وعنصريته وسوئه الذي يتجاوز سوء الفاشية والنازية في النصف الأول من القرن الماضي، ولا يختلف عن الدعوة لنظام سياسي شمولي غير ديمقراطي يؤمن بإقصاء الآخر ونقاء الدولة واقتصارها على اتباع دين بعينه، مما يستحق الشجب والإدانة أكثر مما يستحقه التطرف والإرهاب.
إن تبني يهودية الدولة في إسرائيل يعني بالضرورة اقتصار مواطنيها على اليهود فقط، وسيتبعه فيما بعد اقتصارهم على اليهود المعترف بهم من الحاخامات، وحرمان أي مواطن آخر من حق المواطنة سواء كان هذا الآخر عربياً أم يهودياً مشكوكا بيهوديته.
وينتج عن هذا أمران في غاية الخطورة: الأول: حرمان ما يسمون حالياً بعرب إسرائيل من حقهم في الجنسية الإسرائيلية، ولن يكون لهم عندها أي من حقوق سياسية أو اجتماعية أو غيرها فهم لن يكونوا مواطنين لأنهم ليسوا يهوداً وستعطي الحكومة الإسرائيلية لنفسها الحق بطردهم من أرضهم التي يعيشون عليها منذ مئات السنين.
أو سيبقون مقيمين دون مواطنة ودون جنسية وتحت سياط العنصرية والاضطهاد والقوانين الجائرة، وإن كانوا الآن مواطنين من الدرجة الثانية فإنهم سيكونون في حال تطبيق يهودية الدولة مقيمين من (جنسية أخرى) لا حق لهم في شيء.
الثاني: يستحيل عند الاعتراف بيهودية الدولة قبول عودة أي لاجئ فلسطيني ولا حتى تحت مبدأ (لم الشمل) لأن اللاجئين الفلسطينيين لايمكن أن يستوفوا شروط المواطن في الدولة اليهودية وعلى رأسها الإيمان بالديانة اليهودية، وبالتالي يتعذر أي تفاوض أو بحث بشأن عودتهم وستصبح هذه مرفوضة كلياً ومن منطلقات إيديولوجية ودستورية.
إذ سيكون تعريف المواطن في الدستور بأنه الشخص اليهودي فقط، وتتماهى عندها الجنسية مع الدين مع الأيديولوجية مع القومية، مما يتعذر توفره لدى ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين ينتظرون العودة منذ ستين عاماً، وتكون إسرائيل بذلك تخلصت من عبء أخلاقي ومالي وسياسي دفعة واحدة تحت شعار أن دولتها هي دولة يهودية لا مكان لغير اليهودي فيها، وليذهب حق العودة وقرار الأمم المتحدة (194) إلى الجحيم.
إن كان العرب يرفضون الاعتراف بيهودية الدولة حفاظاً على حقوق عرب إسرائيل وعلى حق العودة، فمن المفروض أن العالم كله يرفض هذا الاعتراف لأنه يتناقض جذرياً مع مفاهيم العصر الذي نعيشه ومع معايير الدولة الحديثة ومعايير الديمقراطية والحرية التي يزعم الغرب أنها الشعارات الأثيرة لديه بعد انتهاء الحرب الباردة.
وإلا ما معنى أن يشجب هذا الغرب أيديولوجياً وفلسفياً وسياسياً النازية والفاشية والشيوعية والإرهاب والتطرف والإقصاء تحت شعار أنها ذات نظرة ضيقة وحيدة وجزئية للكون والحياة وغير ديمقراطية، ولا يشجب مطلب إسرائيل بيهودية الدولة وأين هذا الغرب من النظام العالمي الجديد وشروطه ومبادئه سياسياً ومن الحداثة وما بعد الحداثة فلسفياً.
وهل تطبق هذه المفاهيم على دول العالم كلها ماعدا إسرائيل لأنها خارج إطار النقد وتقع ممارساتها العنصرية والفاشية خارج إطار المساءلة؟. وما الفرق بين شعارات أكثر المتعصبين تعصباً وشعار يهودية دولة إسرائيل؟.
أم أن الشمس شيء داخل الحدود والشمس شيء آخر في خارج الحدود؟
كاتب سوري