فيما انتظر الشارع الفلسطيني اتجاهات تطور الأوضاع الفلسطينية الداخلية، إثر انعقاد اللقاء الدولي في أنابوليس يوم السابع والعشرين من الشهر الماضي، فإن ما خرج به من نتائج، وما تبعه من أحداث جاءت لتعمق حالة التوهان والقلق والبلبلة.
راهن الكثيرون على أن نجاح أنابوليس سيعزز من مكانة الرئيس محمود عباس وحكومته وسلطته، بما يؤدي إلى إضعاف حركة حماس ويدفعها نحو مجابهة استحقاقات وخيارات صعبة، فإما أن تلبي شروط انطلاق الحوار وهي التراجع عن نتائج انقلابها في يونيو الماضي وإما أنها ستصبح هدفاً تتلاقى على ضرورة إنهاء سيطرتها على قطاع غزة إرادات من اجتمعوا في أنابوليس.
وبالمقابل فإن فشل أنابوليس، حسب المراهنين، كان سيؤدي إلى تقوية منطق حماس، بما يرغم الرئيس الفلسطيني على دفع ثمن كبير لقاء بدء مسيرة الحوار، واستعادة الوحدة للشعب والسلطة والنظام.
على أن أنابوليس، ما دار فيه وما خرج عنه، لم يقدم إجابة للمراهنين، إذ لا يمكن الحديث عن فشل أو نجاح، طالما لم يكن مطلوباً من اللقاء الدولي التوقيع على اتفاقيات تقتضي تقديم تنازلات.
بل إن الأداء الفلسطيني في إطار تلاحمه مع الموقف العربي الذي عبر عنه حضور ست عشرة دولة عربية، من بينها سوريا التي يحظى حضورها بخصوصية نظراً لكونها من أطراف الممانعة، وتمسك الرئيس عباس في خطابه بالثوابت الفلسطينية.
وما ترتب عن المؤتمر من اهتمام دولي واضح بالقضية الفلسطينية وآليات وجدول زمني للمفاوضات.. كل ذلك أفقد المعارضين في الساحة الفلسطينية أهم ركائز خطابهم الاتهامي الذي ذهب قبل اللقاء الدولي إلى حد تقرير النتائج سلفاً، واتخاذ موقف منها لم يكن مبرراً.
ولعل من بين أصعب الاتهامات التي وجهها المعارضون لأنابوليس، عدا عن ابتزاز تنازلات خطيرة من الجانب الفلسطيني، هو أن اللقاء الدولي يشكل بما فيه وما يصدر عنه، غطاءً لحرب قادمة ترغب وتخطط الولايات المتحدة لشنها على إيران والمتحالفين معها، بما في ذلك حركة حماس، ليس الملف النووي هو مبررها الوحيد، وإنما أيضاً إزالة العقبات من أمام قطار السلام الذي بدأ تحركه من أنابوليس.
في الواقع فإن التطورات التي جاءت بعد أنابوليس أخذت تفتح ثغرة كبيرة في جدار نظرية التصادم التي سادت كخيار في التعامل مع إيران وحلفائها، لتطرح إمكانية اعتماد الولايات المتحدة استراتيجية الاحتواء، بدون التخلي عن مبدأ التهديد بالقوة بقدر لزومه في تحقيق النتائج التي تسعى الولايات المتحدة لتحقيقها، إن كان في العراق أو في منقطة الخليج أو على صعيد عملية التسوية.
المؤشرات التي ظهرت على هذا الصعيد متنوعة وقوية، إذ أن حضور الرئيس أحمدي نجاد للقمة الخليجية الثامنة والعشرين، ولقاءاته ووزير خارجيته مع رئيس ووزير خارجية دولة الإمارات بما لذلك من علاقة بالجزر الثلاث التي تحتلها إيران، والحديث عن السوق المشتركة الخليجية، ونظام أمن على جانبي الخليج العربي، كل ذلك يندرج في السياق، إذ من غير المعقول أن نتصور وقوع مثل هذه الأحداث بدون التنسيق مع الولايات المتحدة وبقية الأطراف العربية الفاعلة.
مؤشر آخر قوي يتصل بما أعلنه مستشار الأمن القومي الأميركي من أن إيران توقفت عن برنامجها العسكري النووي منذ عام 2003، وبأن الولايات المتحدة عادت فجأة لتتحدث عن تفضيلها الخيار الدبلوماسي في التعامل مع إيران، وهو إعلان يتطابق مع ما توصلت إليه الوكالة الدولية للطاقة.
ويبدو أن تراجع مستويات العنف في العراق، والتقدم النسبي للسياسة الأميركية وسياسة ودور الحكومة العراقية، يشجع على البحث عن خيارات سياسية في ما يتصل بالدور الإيراني المؤثر في العراق، كل ذلك إضافة إلى إمكانية نجاح اللقاء الأميركي الإيراني المرتقب لبحث الوضع في العراق، في تقليص الهوة بين الطرفين.
إلى ذلك فإن حضور سوريا لقاء أنابوليس، والقبول الأميركي والدولي بتنشيط المسار التفاوضي السوري الإسرائيلي بشأن الجولان المحتل، يشكل بدوره ميلاً لدى إيران عبر حليفتها سوريا لإبداء قدر من المرونة، تجنباً لخسارات كبيرة ومخاطر قد تنجم في حال تصاعد التوتر الأميركي الإيراني.
على الساحة اللبنانية، تقدم المساومة بشأن الاتفاق على الرئيس اللبناني القادم، وهو قائد الجيش، وتبدل لهجة فريق الأغلبية باتجاه الاستعداد للمرونة والمساومة، إنما يشكل مؤشراً آخر يتصل بطرف قوي من أطراف الممانعة الإقليمية والعربية وهو حزب الله.
على الصعيد الفلسطيني تبدو الأوضاع أكثر ارتباكاً وضبابية، فمن ناحية أولى فان الرئيس محمود عباس أدلى من القاهرة وهو في طريق عودته من أنابوليس، بتصريح مهم وغير مسبوق منذ انقلاب حماس في يونيو الماضي، حيث قال إنه مستعد للحوار فوراً مع حركة حماس بمجرد أن تتراجع عن نتائج الانقلاب، مشدداً بوضوح على أنه لا يمكن أن يتجاهل هذه الحركة القوية، والتي تشكل جزءاً هاماً من النسيج الفلسطيني.
على خط آخر تتحدث مصادر الجهاد الإسلامي عن جهد حثيث تقوم به إلى جانب الجبهتين الشعبية والديمقراطية، من أجل بدء الحوار، وأن هذا الحوار يمكن أن ينطلق قريباً في القاهرة بدعم من مصر والسعودية، وربما أيضاً من دمشق التي كثفت في الأسابيع الأخيرة اتصالاتها مع السلطة الوطنية وحركة فتح. وقد أثار خروج نحو خمسمائة وخمسين حاجاً من قطاع غزة إلى الجانب المصري من خلال معبر رفح المغلق تماماً منذ ستة أشهر، أثار ذلك اندهاش المراقبين وتساؤلهم حول حقيقة الموقف والدور المصري إزاء الانقسام الداخلي.
إن خروج مثل هذا العدد، والترتيبات اللوجستية التي انتظرتهم على الجانب المصري تشير إلى أن تنسيقاً قوياً قد جرى بين حركة حماس في غزة والحكومة المصرية، فضلاً عن أنه لا يمكن أن يحصل ذلك بدون معرفة وموافقة الجانب الإسرائيلي الذي يتحكم في حركة الدخول والخروج عبر حدود قطاع غزة مع مصر.
على صعيد آخر، تراجعت التوقعات في قطاع غزة بشأن تنفيذ إسرائيل تهديداتها بارتكاب عدوان واسع على القطاع، فيما بدا الموقف الإسرائيلي مرتبكاً إزاء مثل هذا التهديد القديم الجديد.
في الواقع فإن التحرك الإسرائيلي إزاء قطاع غزة يظل محكوماً بمصلحة إسرائيل في إبقاء وتعميق الانقسام الفلسطيني، الأمر الذي يستخدم بين الحين والآخر من بين استخدامات كثيرة، لاتهام سلطة الرئيس محمود عباس بالعجز وعدم القدرة على الوفاء بما يترتب على السلطة من التزامات تنص عليها المرحلة الأولى من خارطة الطريق، بدعوى أنه لا يملك ما يفعله إزاء ما تسميه إسرائيل «الإرهاب في قطاع غزة».
اندهاش المراقبين يمتد إلى ما تقوم به حماس في غزة، إذ تواصل سيطرتها على ما تبقى من مؤسسات، فلقد قررت الأسبوع الماضي وقف تنفيذ المرحلة الأخيرة من تعداد السكان، واستولت على مجمع المحاكم وطردت القضاة، ثم استولت على بلدية غزة أكبر البلديات الفلسطينية.
غير أن المراقب عن كثب قد يضع هذا السلوك الحمساوي في سياق خلق المزيد من الوقائع على الأرض لتعزيز قدرتها على المساومة في أي حوار قادم، ولتقوية نفوذها ودورها في المؤسسة الرسمية الفلسطينية التي ستخضع لإعادة ترتيب في حال عاد الجميع إلى مائدة الحوار.
وإذا كان لقاء أنابوليس قد انعقد تحت شعار دفع العملية التفاوضية، فإنه أكثر من ذلك، يحرك الكثير من البرك الراكدة، ويدخل إلى عمق ترتيبات المنطقة وأدوار اللاعبين الأساسيين فيها، لكن الخيارات والوسائل تظل مفتوحة.
كاتب فلسطيني