نعلم مع كثير من أهل الذكر والاختصاص أن حقل العلاقات السياسية الدولية قد حظي بتطورات منهجية معتبرة، وذلك بالقدر الذي سهل مقاربة تفاعلاته المعلنة والخفية وتحليلها وتبصر أبعادها ومعانيها وتأثيراتها.

بيد أن هذا الحقل بمدخلاته ومخرجاته شديدة التنوع والتعقيد، والذي يتصل بأهداف وسلوكيات إنسانية مجتمعية غائرة قد يعز حصرها والإحاطة بها، يظل عصياً على الضبط المعملي الصارم.

لهذا، ومن أجل مزيد من فهم بعض الظواهر الدولية غير التقليدية ومحاولة تفسيرها،ربما احتاج المرء أحياناً إلى السير في عكس الاتجاه أو التحليق بعيداً سرب التحليلات والمقولات النمطية الشائعة. والحق أن التعامل الدولي يزخر بالتحركات والسياسات التي تعجز مصفوفة المناهج الأكاديمية السائدة عن استيعابها وإخضاعها للمنطق المألوف والمعادلات المتداولة.

وهنا لا يعيب المعنيين في شيء أن يخرجوا بدورهم عن هذا المنطق، سعياً إلى فك طلاسم ولوغاريتمات هذه التحركات.

بكلمات أخرى، فإنه حين يستغلق علينا استكناه أو فهم سياسات بعينها لطرف ما في معمعة العلاقات الدولية، علينا أن نفترض وجود خلل في مناهجنا وأدواتنا التحليلية المألوفة ذاتها، لا أن نركن إلى الدعة والاستسهال والاعتقاد بأننا إزاء سياسات خرقاء مآلها الفشل.

نطرح هذه التعميمات بمناسبة المقولة المحلقة في أذهان الكثيرين حول إخفاق السياسة الأميركية الدولية بعامة والشرق أوسطية بخاصة في عهد جورج بوش الابن، وأيلولتها إلى الخسران المبين على مختلف الصعد. ترى ما هو حظ هذه المقولة من الصحة والسلامة في الواقع المنظور؟

إذا انطلقنا في الإجابة من المناهج المدرسية الأكاديمية الشهيرة، فقد نطمئن إلى أن واشنطن تحت إدارة المحافظين الجدد ورموزهم الفكرية والسياسية تبدو بالفعل أقرب إلى اللاعقلانية والإخفاق في غير موقع وقضية. من أفغانستان والعراق شرقاً إلى فنزويلا غرباً، مروراً بفلسطين والصراع الإسرائيلي العربي وإيران ولبنان، دون استثناء القضايا الخلافية مع بعض كبار النظام الدولي كروسيا والصين ومعالجة ما يدعى بالإرهاب الدولي.

وفقاً للمقاربات الجارية وأنماط التحليل المألوفة، تبدو السياسات الأميركية في عهد بوش الابن وكأنها تتخبط في أحابيل دائرة محكمة من التصرفات العشوائية. حتى ليمكن للبعض أن يعتقد في وقوع واشنطن وليس خصومها أسيرة الفوضى والغوغائية.

ومن آيات هذه الوضعية البائسة : الصورة الأميركية الشائهة التي عجزت عن إصلاحها كارين هيوز وبطانتها المختصة بالتجميل والتلميع. وانفلات الساحتين الأفغانية والعراقية نحو المجهول وفقدان السيطرة عليهما وضبط بوصلتيهما بحسب الإرادة الأميركية.

وتمرد طهران وصعوبة دحر مشروعها النووي بسياسة العصا و الجزرة. وحالتي التململ الروسي والصيني إلى مستوى يوحي بقرب زوال الأحادية القطبية الأميركية، وتدهور مكانة الدولار.

هذا كله ومثله إلى جانب استشعار الأميركيين أنفسهم بأنهم أصبحوا أقل أمناً وإحساساً بالطمأنينة في عقر دارهم، وأنهم يتعرضون لخسائر في الأنفس والأموال في معارك خارجية غير واضحة الأهداف والآفاق.

لكن إذا كانت السياسات الأميركية الشرق أوسطية والدولية على هذا القدر من البؤس والخيبة فكيف نفسر إصرار النخب الحاكمة في واشنطن عليها ؟

ولقد تجلت معظم المؤشرات المذكورة منذ ما بعد غزو أفغانستان والعراق واحتلالهما بوقت قصير، فلماذا جدد الناخبون الأميركيون الثقة في بوش الابن وحزبه وحوارييهما لولاية ثانية؟. ترى هل أصيب الحكام والمحكومون (الناخبون) في الولايات المتحدة بالعته وقلة العقل والحكمة إلى درك التواطؤ على مكانة دولتهم والحط من قدرها وقدرتها ما يزعم الزاعمون ؟

وكيف يتأتي مثل هذا التصور بين يدي مجتمع يحوي بعضاً من أبرز المنظرين ومراكز البحث والتفكير في مجال العلاقات الدولية؛ مجتمع تتجسد فيه أرقى مراحل التطور الصناعي وإعمال العقل وتنحية العواطف قبل أن يتخذ أية خطوة في أي مجال ؟!

إن أسئلة كهذه تتنافى والقناعة السائدة حول حمق الإدارة المتنفذة في واشنطن وضحالة سياساتها في الجهات الأربع. وبالتالي يتعين علينا إزاحة المنهجية المؤدية إلى هذه القناعة والتحرر من قيودها ولو من باب التجريب الذي لا يضر. إذا فعلنا ذلك، فإنه يصح لنا التأمل في مؤشرات وأسئلة أخرى غير التي تستدعيها المناهج التقليدية وتحكم من خلالها على إدارة ما بالنجاح أو الفشل.

من ذلك بلا حصر، لماذا لا يكون المشهد العراقي بملامحه الراهنة حيث شلالات الدم والتقسيم والتناحر على أسس عرقية قومية ومذهبية ومناطقية إقليمية، وحيث عدم الاستقرار وانعدام الأمن الشخصي والجماعي مقصوداً في حد ذاته؟

ألا يتسق هذا المشهد والهدفين المعروفين لغزو العراق واحتلاله : صيانة أمن إسرائيل والسيطرة على بحر العراق النفطي ؟

ألم يتناظر الإسرائيليون والمحافظون الأميركيون القدامى والجدد حول احتمال الانتكاس بالعراق قرونا الى الوراء ؟. أليس ذلك هو ما يحدث بالفعل منذ العام 2003 والعقد السابق عليه ؟!

وعلى الصعيد الفلسطيني، ألا يحق للتحالف الإسرائيلي الأميركي أن يطرب لمشهد مفعم بكثير من أسباب الضعف والتشظي والشقاق الدامي؟. ألا تعد سياسات إدارة بوش الابن مسئولة بمعنى أو آخر عن هذه الوضعية المرضية؟

وقل مثل ذلك عن الوضع اللبناني الذي يعيش على قلق الصراع الأهلي وهواجسه، وعن سوريا التي تصبح وتمسي على قلق دائم مما يخبئ جراب الحاوي الأميركي. بل وقل مثل ذلك وأكثر عن تأثيرات «اللاعقلانيين الأميركيين» على النظام العربي المفعم بمظاهر وهن الإرادة والاستضعاف.

كيف توصف إدارة بالفشل والتي هي دعت إلى لقاء أنابوليس غير محدد الأجندة والمسار والمصير، فاستجيب لها عربياًو ودولياً، بعد تأفف مصطنع وتمنع شكلي؟

وفي الدائرة الدولية الأوسع، لماذا يسخر البعض من إدارة تمكنت من تفكيك البرنامج النووي الكوري الشمالي، وراحت تزحف حثيثاً نحو تطويق روسيا بقوة الاطلسي وتهدد التمدد التجاري الاقتصادي الصيني برفع كلفة طاقته النفطية إلى أسعار فلكية، وأعادت باريس إلى بيت الطاعة الغربي الذي تهيمن عليه، بحيثية ليس لها سابقة في تاريخ العلاقات الأميركية الفرنسية على الإطلاق؟

قبل هذا وبعده، من أدرانا، فلعل الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي يقال ان إدارة بوش الابن جانبها الحظ في فرضه هو ذاته الشرق الأوسط الذي نسمع ونرى. المشحون بمظاهر الفتن الداخلية، المراد نزع صفة العروبة عنه وإخلاؤه من المقاومين للنفوذ الصهيوني وشرعنة وتقنين انفراد إسرائيل فيه بحيازة أسلحة الدمار الشامل.

القصد أن الرحاب الشرق أوسطية والدولية لا تخلو من المشاهد والشواهد التي تستفزنا لتحري مدى صحة أو صدقية زعم عجز السياسات الأميركية في ولايتي بوش الابن. وبالمناسبة، فإنه حتى لو كان هذا الزعم صحيحاً، فإن السؤال المنطقي التالي هو هل استثمر العرب، فرادى أو مجتمعين هذه الحالة؟!.

كاتب وأكاديمي فلسطيني