كان أمام القمة الخليجية الثامنة والعشرين التي عقدت في العاصمة القطرية في الثالث والرابع من الشهر الجاري جدول أعمال حافل بقضايا كبيرة وخطيرة وملفات أنجزتها لجان متخصصة تتعلق بأمن الخليج والتكامل الاقتصادي بين دوله وتوحيد السوق الخليجية وارتباط العملات بالدولار الأميركي والوضع في العراق والملف النووي الإيراني.
إلا أن ما يدعو للتوقف حقاً حول هذه القمة هو حضور الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في الجلسة الافتتاحية وإلقائه كلمة بهذه المناسبة بناءً على دعوة تلقاها من الدولة المضيفة. ويعتبر حضور الرئيس الإيراني في هذه القمة أول حدث من نوعه منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981. وقد وجهت دعوات مماثلة لرئيس الوزراء التركي الذي أعتذر عن عدم الحضور وإلى الأمين العام للأمم المتحدة الذي اعتذر هو الآخر.
لقد سبق وأن حضر قمة مجلس التعاون الخليجي، في الماضي، رؤساء دول عدة منهم الرئيس نيلسون مانديلا عام 1998 في قمة المجلس التي عقدت في أبو ظبي، وكان ذلك الحضور ذا طابع بروتوكولي وليس سياسيا. وقد توقع المراقبون، في ضوء الأوضاع الساخنة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، أن لا يكون حضور الرئيس الإيراني كذلك، وقد صح هذا التوقع.
الدعوة الخليجية للرئيس الإيراني بادرة إيجابية تجاه إيران أرادت بها دول الخليج كسر العزلة التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها على إيران، وهي رسالة موجهة للولايات المتحدة مفادها ان دول المجلس ليست مع أي عمل عسكري ضد إيران، وهي في الوقت نفسه دعوة لإيران لفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع دول الخليج وفرصة لتخفيف التوتر الشديد في المنطقة واتخاذ مواقف أكثر مرونة.
ويعتبر حضور الرئيس الإيراني في هذه القمة مهما على أكثر من صعيد، فالدول الخليجية يقلقها وجود القوات الأميركية وبكثافة عالية في مياه الخليج مع وجود بؤر خلافات خطيرة بين الولايات المتحدة وإيران حول عدد من القضايا لعل أبرزها سعي إيران للقيام بدور الدولة العظمى في المنطقة ومنافسة الولايات المتحدة على النفوذ فيها، وما يستلزم ذلك من التزود بالقدرات العسكرية والأذرع السياسية لبسط هيمنة الدولة الكبرى.
في الكلمة التي ألقاها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد قدم إثنا عشر مقترحاً لمد الجسور بين دول مجلس التعاون الخليجي الست وإيران، وزيادة التعاون القائم أصلاً في مجالات مختلفة، إلا أنه تجاهل تماماً الحديث عن البرنامج النووي الإيراني وعن التداعيات والمخاطر التي تنتظر منطقة الخليج برمتها في حالة المواجهة مع الولايات المتحدة وربما مع دول أخرى بسبب هذا البرنامج، وتجاهل كذلك ذكر أية رغبة في تسوية بعض الخلافات القائمة بين بلده وبعض دول مجلس التعاون الخليجي.
وقد دعا الرئيس الإيراني في كلمته قادة دول المجلس إلى التحالف مع إيران في المجالات الاقتصادية والأمنية دون تدخل خارجي معرباً بأن أمن هذه المنطقة غير قابل للتجزئة. وهذه في الحقيقة ليست دعوة جديدة فقد سبق لإيران أن طالبت دول الخليج العربية في عقد اتفاقية أمنية معها إلا أن هذه الدول قد تجاهلت هذه الدعوات لأسباب وجيهة عديدة.
فلدى إيران بعض الخلافات التي لا يمكن تجاهلها مع بعض دول الخليج كما أن لدى جميع دول المجلس مخاوف من طبيعة البرنامج النووي الإيراني وهي تتوجس كذلك من ضخامة ميزانية التسلح الإيرانية. كما إن جميع دول الخليج العربية ترتبط مع الولايات المتحدة بصلات قوية.
وفي المقابل ترتبط بعض الدول الخليجية بعلاقات اقتصادية وثقافية مع إيران وتجد نفسها في موقف محرج وسط التجاذب بين إيران والولايات المتحدة.
تباينت التوقعات بشأن ما طرحه الرئيس الإيراني، فقد توقع البعض ، من منطلق تفاؤلي، أن يسمع بعض التطمينات لهذه الدول التي تنشد علاقات سلمية مع الجارة على الضفة المقابلة من الخليج، وتوقع آخرون العكس من منطلق أن إيران قد تخسر كثيراً حين تقدم التطمينات لهذه الدول، فهي تخسر بذلك إحدى أهم أوراق الضغط على الولايات المتحدة. وقد صحت التوقعات الأخيرة فالرئيس الإيراني لم يقدم أية تطمينات لدول المجلس في حالة تعرض بلاده لضربة عسكرية أميركية.
حيث أكد من خلال دعوته دول المجلس إلى الدخول في حلف أمني مع إيران بأن أمن المنطقة واحد لا يتجزأ، وهي إشارة فيها قدر كبير من الوضوح بأن المساس بأمن إيران هو مساس بأمن الخليج برمته.
الدول الخليجية تحرص على أمن الخليج وتحرص على عدم ضياع المكاسب التي ترتبت على الطفرة التنموية التي حققتها في العقود الأخيرة والمهددة بالضياع في حالة حصول عمل عسكري ضد إيران. لذلك تحرص كل الحرص على أن تعالج الخلافات الأميركية الإيرانية بمعزل عن أجواء التهديد والوعيد وبدافع الرغبة في اعتماد الحلول الدبلوماسية فقط.
وقد تزامن حضور الرئيس الإيراني القمة الخليجية مع نشر تقرير المخابرات الأميركية حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني.
حيث ورد في هذا التقرير بأن إيران قد أوقفت نشاطاتها في الجانب العسكري منذ عام 2003، إلا أنها مستمرة في عملية تخصيب اليورانيوم. وهذا بحد ذاته أمر مقلق ولكن بدرجة أقل، فوفق ما ورد في التقرير فإن إيران سوف يكون لديها كمية من اليورانيوم المخصب بعد عام 2010 كاف لصناعة قنبلة نووية.
ورغم ما سببه هذا التقرير من إحراج لإدارة الرئيس الأميركي، إلا أنها عقبت على ما ورد فيه بأن الخطر الإيراني أمر قائم وهي لا تتوانى عن التصدي له بمختلف الوسائل، ولم تغير من لهجتها المفعمة بالتهديد ولا تأثرت سياستها في السعي نحو رفع سقف العقوبات الموجهة ضد إيران.
فمع نهاية الشهر الحالي ندخل في السنة الأخيرة من رئاسة الرئيس الأميركي جورج بوش الذي فُتحت في عهده ملفات خطيرة عديدة لم يتمكن من إغلاقها حتى الآن. وتزداد قناعة من يتابع الشأن الشرق أوسطي بأن الملف الإيراني الذي فتح منذ عام 1979، حين أزاحت الثورة الإسلامية الإيرانية نظام الشاه الحليف للولايات المتحدة وتبنت منذ اللحظات الأولى الشعارات المعادية للولايات المتحدة وإسرائيل، مرشح للمزيد من التضخم.
فقد كشف التقرير الذي أصدرته مؤسسة (جيمس تاون فاونديشن) ونشرته جريدة الوطن الكويتية في الثالث من الشهر الجاري معلومات خطيرة عن الدور الذي تلعبه إيران في العراق لتعزيز نفوذها فيه وإضعاف النفوذ الأميركي، ولا شك ان الولايات المتحدة تمتلك معلومات عن هذا الدور أغزر كثيراً مما أورده هذا التقرير.
إلا أن تحالفاً كهذا من الصعب المراهنة على نجاحه، فالحكومات التي سوف تتعاقب على سدة الحكم في العراق ستواجه استحقاقات التبعية للولايات المتحدة التي سترتبط معها باتفاقيات عديدة أبرزها اتفاقية أمنية تتعهد بموجبها الولايات المتحدة حماية هذه الحكومات ضد أي انقلاب عسكري قد يطيح بها.
كما أن سوريا المتحالفة مع إيران قد تجد ان من مصلحتها إعادة النظر بهذا التحالف خاصة بعد أن داعبت الولايات المتحدة مؤخراً أحلامها بعودة هضبة الجولان حين وضعت هذه القضية على أجندة مؤتمر أنابوليس الذي عقد مؤخراً وحضرته سوريا.
كاتب عراقي