لم تأتِ الانتخابات البرلمانية الأخيرة في روسيا بمفاجآت غير متوقعة فقد حقق حزب «روسيا الموحدة» الذي تصدرت قائمته رئيس الدولة فلاديمير بوتين فوزا ساحقا بأكثر من 63 % مما يمكنه بسهولة من التحكم في كافة أعمال البرلمان الروسي «الدوما» خلال السنوات الأربع القادمة.

وتعد نتائج الانتخابات بمثابة المؤشر على نشوء الحزب الذي يؤيده غالبية الروس، وظهور مثل هذا الحزب في حد ذاته يتيح تشكيل البرلمان الذي سيؤمن تنفيذ ما يسمى بخطة بوتين. ويعتبر فوز حزب «روسيا الموحدة» الذي يؤيده رئيس الدولة يمثل ضمانة لاستمرار روسيا في الخط السياسي الذي انتهجته على مدى السنوات السبع الماضية.

لقد تمكن بوتين من إقناع الغالبية الساحقة من المواطنين بالتصويت لصالح سياسته وجاءت نتائج الانتخابات لتدل على أن بوتين الذي تنتهي فترة ولايته في العام المقبل لن يترك منصبه بل سيبقى هو يدير أمور الدولة من أي موقع بصفته قائدا شعبيا يريده الغالبية من الشعب.

وكانت أربعة أحزاب سياسية قد تخطت حاجز ال7 بالمئة المقرر لدخول البرلمان. فبعد فرز حوالي 98 بالمئة من أوراق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية حصل حزب «روسيا الموحدة» على 1 ,64 بالمئة، يليه الحزب الشيوعي الروسي بنسبة 6 ,11 بالمئة، ثم الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي بـ 2 ,8 بالمئة، وحزب «روسيا العادلة» بـ 8 ,7 بالمئة.

وأكد مراقبون دوليون من دول أجنبية قدموا إلى روسيا لمراقبة سير انتخابات مجلس الدوما الروسي الجديد عدم وقوع أية مخالفات تستحق الذكر.

ومن الواضح أن البرلمان الروسي القادم سيخلو من نواب يجهرون بمعارضتهم للرئاسة الروسية ويعرقلون سياساتها وبرامجها سواء في داخل روسيا أو خارجها، وهذا لا يمنع أن يكون هناك من سيعارض فقط من إثبات وجوده في البرلمان.

ولكن معارضته لن تجدي في شيء أمام الأغلبية الساحقة التي يملكها حزب روسيا الموحدة ومعه من يؤيده من الأحزاب مثل حزب العدالة الذي فاز بنسبة نحو 8% من المقاعد، بمعنى أن سياسة بوتين سيؤيدها أكثر من سبعين في المائة من أعضاء البرلمان مما يعطيها كل الحق في اتخاذ ما تشاء من قرارات حتى لو أرادت تعديل الدستور او فرض حالة طوارئ أو أي قرار يحتاج للأغلبية الساحقة.

والسؤال الذي يدور على الساحة في روسيا الآن ليس حول الفوز الساحق والذي كان متوقعا، بل حول التراجع الملحوظ لأحزاب اليمين الديمقراطي والإصلاحيين الذين لم تجمع أحزابهم جميعها أكثر من 3% من الأصوات، هذه الأحزاب التي كانت تصول وتجول على الساحة السياسية في روسيا طيلة سنوات التسعينات، وكان زعماؤها يتحكمون في كافة وسائل الدعاية والإعلام، ويتحكمون أيضا في مراكز صنع القرار السياسي حتى داخل الكرملين، هذا إلى جانب تحكمهم في نسبة كبيرة من الاقتصاد الروسي.

من الواضح أن الأحزاب التي سعت إلى تحقيق النجاح في المعركة الانتخابية بتوجيه الانتقادات إلى الرئيس بوتين وقعت في خطأ استراتيجي أدى إلى تراجعها بشكل كبير ووضعت نفسها في أزمة كبيرة ربما لا تستطيع أن تخرج منها في المستقبل القريب.

يرى المحللون أن الأحزاب اليمينية الروسية بدت في انتخابات مجلس الدوما في وضع أسوأ من وضعها في انتخابات عام 2003، حيث لم يحصل أقوى هذه الأحزاب وأكثرها تنظيما على أكثر من 5 ,1% من الأصوات، وتشير النتائج إلى أن حزبي اتحاد قوى اليمين وحزب «يابلوكو» حصلا سوية على ما يقارب 6 ,2 بالمئة من أصوات الناخبين في حين نالا في الانتخابات السابقة عام 2003 نحو 9 بالمئة.

ويشير المحللون إلى أن المعارضة في روسيا تفتقر إلى أية قاعدة شعبية، هذا إلى جانب عدم قدرتهم على توحيد صفوفهم.

اناتولي تشوبايس أحد فرسان التسعينات وأحد قادة الإصلاحيين البارزين، ومهندس برنامج الخصخصة عام 1993 يرى أن الديمقراطيين في روسيا خسروا في انتخابات مجلس الدوما بسبب عدم قدرتهم على توحيد صفوفهم. ويرى تشوبايس أيضا أن الشيوعيين سيشكلون المعارضة الوحيدة الحقيقية في مجلس الدوما الجديد لأنهم متماسكون ومنظمون أكثر من الديمقراطيين بكثير.

الواقع أن الزمن في روسيا قد سار في السنوات السبع الماضية بإيقاع سريع لم يستطع البعض اللحاق به، وخاصة هؤلاء الذين شغلوا الساحة السياسية في روسيا طيلة سنوات التسعينات، وأطلقوا على أنفسهم مسميات غير موضوعية وغير واقعية.

حيث وصفوا أنفسهم بالإصلاحيين والديمقراطيين والمجددين، ووعدوا الشعب الروسي بالكثير والكثير، لكنهم تفرغوا لأعمال وأنشطة أخرى يمكن وصفها بالخاصة أكثر منها عامة لصالح الشعب، وعرضوا اقتصاد روسيا الكبير للانهيار الحاد ولأزمات لم يشهدها من قبل ولا حتى في سنوات الحرب العالمية.

حيث وصل معدل الفقر في روسيا إلى أكثر من 60% من عامة الشعب، وظن هؤلاء أن الحال سيدوم سنوات أخرى، ولم يكن بحسبانهم انه سيأتي بهذه السرعة من يوقظهم من أحلامهم الوردية ليضعهم في كابوس لا يستطيعون الخروج منه.

لقد جاء فلاديمير بوتين للحكم عام 2000 بقرار من الرئيس الراحل يلتسين، وتصور هؤلاء الإصلاحيون أن الأمور ستسير كما هي ولن يحدث تغييرات، ولكن بوتين لم يمهلهم كثيرا بل بدأ على الفور في تطبيق سياساته ونهجه الإصلاحي العملي، ولم يسمح لهؤلاء أن يعوقوه عن السير للأمام، وتوقع الكثيرون له الفشل والتراجع.

خاصة وأن المشاكل كانت كبيرة ومنتشرة في كافة القطاعات، ولكن بوتين ورفاقه استطاعوا بالجهد الكبير والمستمر وبإيمانهم الصادق بقدرات روسيا وشعبها أن يحققوا ما وصفه الكثيرون في الخارج بالمعجزات، فعاد الاقتصاد الروسي ينهض ويقف على قدميه بثبات وينافس اقتصادات الدول الكبيرة، وعادت لروسيا هيبتها وكرامتها على الساحة الدولية.

الآن يقع هؤلاء الاصلاحيون السابقون في خطأ كبير عندما يتصورون أن الشعب سيؤيدهم ويعطيهم أصواته ويعيدهم للسلطة، ويعتقدون خطأ أن المسميات السابقة التي منحوها لأنفسهم من ديمقراطيين وإصلاحيين سوف تخدع الشعب الروسي الذي عرف حقيقتهم جيدا، ولهذا كانت نتائج الانتخابات البرلمانية خير دليل على وعي الشعب الروسي الذي منح ثقته لمن أعاد له كرامته وحياته الكريمة وأمنه.

جامعة سيبيريا