كثير من الأنظمة الحاكمة تكذب وتخدع سواء شعوبها أو شعوب الدول الأخرى، والكثير من هؤلاء لا تنكشف أكاذيبهم إلا بعد رحيلهم من الحكم، ولكن المحافظين الجدد في إدارة الرئيس بوش ضربوا الرقم القياسي والتاريخي في الكذب الذي انكشف الكثير منه قبل مغادرتهم الحكم في العام القادم، ومعظم أكاذيبهم أو تقريبا جميعها انكشفت بشهود منهم اعترفوا بها بعد مغادرتهم مواقعهم وكأنهم يخشون محاسبة الزمن والشعوب والتاريخ الذي لا يرحم فأصروا على إراحة ضمائرهم بالاعتراف وكشف الأكاذيب.
آخر هؤلاء الشهود النائب السابق لوزير الدفاع الأميركي الجنرال روبرت جارد الذي خدم أكثر من ثلاثين عاما في العسكرية الأميركية وحصل على درجة الدكتوراه في السياسة الدولية من جامعة هارفارد، وشغل العديد من المناصب في البنتاغون، كما شغل منصب رئيس أكاديمية الدفاع الوطني في واشنطن.
الجنرال جارد نشرت له الصحف الأميركية مؤخرا مقالا تحدث فيه حول منظومة الدفاع الأميركية المضادة للصواريخ، هذه المنظومة التي تتحمس لها الآن بشدة إدارة بوش وتدعي أنها موجهة ضد الصواريخ القادمة من إيران أو كوريا الشمالية، وتنوي نشرها على أراضي بولندا وتشيكيا رغم الاعتراضات الشديدة من روسيا وبعض الدول الأوروبية والآسيوية.
يقول الجنرال جارد في مقاله إن خطط البنتاغون لنشر هذه المنظومة في دول أوروبا الشرقية يعتبر خطأ استراتيجياً كبيراً يجب إيقافه، وأن هذا القرار سيكلف الخزانة الأميركية عشرات المليارات من الدولارات، وسوف يؤدي لتوتر العلاقات ليس فقط مع روسيا بل مع الحلفاء الأوروبيين أيضاً.
وأن قرار موسكو بتعليق مشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا وتهديدها بالانسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقريبة المدى كرد على هذه المنظومة سوف يثير الأوروبيين على واشنطن ويصعد من حدة التوتر في أوروبا.
وقال جارد إن الرئيس الروسي بوتين على حق في تحذيره من نشر هذه المنظومة في تشيكيا وبولندا لأنها هناك موجهة بالفعل نحو روسيا وحدها دون غيرها، واقتراحات بوتين بنشر المنظومة في تركيا أو العراق إذا كانت موجهة بالفعل لإيران هي اقتراحات منطقية و تدحض حجج إدارة بوش.
وأهم ما قاله الجنرال جارد في مقاله أن نظام الدفاع الصاروخي الأميركي المضاد للصواريخ بعيدة المدى هو نظام فاشل ولن ينجح وليس له أية فاعلية حسب رأي كافة الخبراء الأميركي ين، ولا يستطيع صد أية صواريخ .
وخاصة منها العابرة للقارات التي تملك روسيا منها الكثير، وأن كل التجارب التي أجريت عليه فشلت ولم ينجح منها أية تجربة على عكس ما يدعون، وأن استعجال البنتاغون في عهد الرئيس بوش على تمرير هذا المشروع ليس له ما يبرره وطنيا.
خاصة وأن أنظمة الدفاع الصاروخية الموجودة على الأراضي الأميركية جيدة وتكفي لحماية كل الأراضي الأميركية من أية صواريخ محتملة في السنوات القادمة، ولكن على ما يبدو أن لدى إدارة الرئيس بوش أسبابا أخرى تدفعها للإصرار على تمرير هذا المشروع الآن بالتحديد، وعلى الأرجح أن هذا من أجل سحب المزيد من المليارات من الخزانة الأميركية قبل رحيلهم من البيت الأبيض.
ويقول الجنرال جارد «لماذا تتعمد إدارة الرئيس بوش استفزاز حلفائنا الأوروبيين وأيضا روسيا في وقت تحتاج فيه الولايات المتحدة للأصدقاء بعد أن كثر أعداؤها والذين يكرهونها؟، هل كل هذا من أجل المال؟ هل لهذه الدرجة لا تهمهم مصلحة أميركا؟».
ويطالب جارد بعدم السماح بتمرير مثل هذه المشاريع قبل العودة للخبراء العسكريين واستشارتهم.
هكذا تدير إدارة بوش الأمور لحساب مصالح جهات خاصة تستفيد من خوض الحروب والتهديد بها لبيع المزيد من الأسلحة «حتى الفاسد والفاشل منها»، المهم هو دخول المليارات لخزائن صانعي الأسلحة حتى لو كانت هذه المليارات من جيوب الشعب الأميركي المخدوع في قياداته.