كلمة «ثورة» ترتبط في المفهوم السياسي والخبرة التاريخية بمعاني الصخب والعنف والتوتر والالتهاب. وربما يرجع ذلك الى ما صاحب أحداثا في حجم الثورة الفرنسية (عام 1789) أو الثورة الروسية عام (1917) أو الثورة الصينية (عام 1949).
في الحالة الأولى وصل العنف إلى حكم الإرهاب الذي فرضه روبسير. وفي الحالة الثانية اندلعت أحداث عنف شهدتها حرب الشوارع في حقبة لينين. وفي الحالة الثالثة أشعلت تعاليم ماوتسي تونغ أوار العنف في أرياف الصين وحواضرها على امتداد سنوات بدأت مع المسيرة الكبرى التي قادها ماو وانضمت إليها جموع تكاد لا تحصى من فقراء المدن وفلاحي القرى.
لهذا كان مستجدا إلى حد لافت للنظر تعبير «الثورة الصامتة ـ الساكتة» الذي طالعناه منذ أكثر من عقدين من عمر زماننا.. وقد أصبح عنوانا لكتاب مهم صدر وقتها ليصف طبيعة ونتائج التحولات الإيجابية التي أحدثتها في مجتمع بنغلاديش دعوة البروفيسور المسلم محمد يونس (الفائز مؤخرا بجائزة نوبل) إلى تمكين الفقراء والفقيرات من خلال تمويلهم بقروض متناهية الصغر (مايكرو كردت) تتيح لهم إنشاء مشاريع مصغرة ولكنها مدرة للدخل الذي يفي ـ قدر الإمكان ـ باحتياجاتهم الأساسية ويصون من ثم ما هم جديرون به من احترام ومن كرامة للإنسان.
ثم يطالعنا مؤخرا تعبير «الثورة الهادئة» وقد استخدمه عنوانا لمقالة منشورة مع أواخر شهر نوفمبر الماضي «فرانسيس فوكوياما» أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعات أميركا الذي حاز شهرته مع صدور كتابه بعنوان «نهاية التاريخ» منذ بضعة عشر عاما مبشرا ـ في تصوره طبعا ـ بانفراد الولايات المتحدة بمقاليد العالم الذي نعيش فيه.
المقال الذي ألمحنا إليه منشور في أحدث أعداد فصلية «فورين أفيرز» (نوفمبر ـ ديسمبر 2007) وقد كتبه فوكوياما تعليقا على صدور كتاب عن أميركا اللاتينية بعنوان «القارة المنسية».
في مستهل هذا المقال يلاحظ كاتبه مدى التجاهل الذي عانته قارة أميركا اللاتينية من جانب راسمي السياسة وصانعي القرار في الولايات المتحدة، بدرجة يقول معها الكاتب إن هذه الجارة الجنوبية لواشنطن لا تكاد تلقى أي احترام من جانب العاصمة الأميركية.. بمعنى الاهتمام العميق أو المتابعة الدقيقة، الواعية والمسؤولة لما يجري على أرضها من تطورات.
صحيح ـ يضيف فوكوياما ـ أن الأمر لا يخلو مثلا من مناقشة سريعة تدور حول (تصرفات) هوغو شافيز في فنزويلا.. لكن سرعان ما يعود الاهتمام إلى القضايا التي ما برحت واشنطن تضعها على رأس أجندتها السياسية..
وهي القضايا التي تتعلق بالشرق الأوسط وبروسيا أو الصين.. (وتلك ترجمة نراها مرادفة بالطبع للهموم والاهتمامات الأميركية التي تتصل بالإمداد النفطي ثم بالعراق وأفغانستان وتتصل أيضا بخصوم الأمس في الكرملين الذين التقطوا أنفاسهم عقب انتهاء الحرب الباردة في التسعينات وهاهم يحاولون الآن استعادة الدور المحوري أو يلتمسون دورا مؤثرا وفعالا في تسيير شؤون العالم ثم أنها تتعلق أخيرا بالنجم الصاعد أو المنافس الدولي المحتمل اقتصاديا وإنتاجيا ثم سياسيا ويحمل بداهة اسم الصين).
ومن الطريف أن يستعيد فوكوياما في هذا السياق حوارا دار في عام 1971 بين الرئيس الأميركي وقتئذ، ريتشارد نيكسون وبين وزير دفاعه الشاب وقتها أيضا..
ويومها قال نيكسون ناصحا:
ـ «أميركا اللاتينية لا تهمنا في شيء.. والأميركيون لا يعنيهم أمرها الآن في قليل أو كثير». وهنا يعلق فوكوياما قائلا: والذي حدث أن وزير الدفاع عمل بعدها بنصيحة رئيسه وتحول بالتركيز على مناطق أخرى في العالم.
والباقي أصبح تاريخا، أما الذي أصبح بالفعل تاريخا فهو التركيز بالذات على الشرق الأوسط.. البترول والصراع العربي الإسرائيلي والمواجهة بأساليب عنيفة شتى، منها الحشد العسكري في ضوء ما يطرأ على الشرق الأوسط من تطورات، وكلها ارتبطت حتى الأشهر القليلة الماضية بوزير الدفاع الشاب الذي أصغى لنصائح نيكسون، فقد كان اسم هذا الوزير ـ ولا عجب ـ هو دونالد رامسفيلد.
لكن ها هي الاهتمامات وقد شرعت تتحول مؤخرا إلى أحداث وتطورات القارة اللاتينية، وفي مقدمة الأسباب رصد تحركات السيد شافيز الذي يكتسب أهميته أولا من تقاربه الجغرافي من الولايات المتحدة، ويكتسبها ثانيا من كونه واحدا من أهم موردي البترول اللازم لدورة الحياة الأميركية، ويكتسبها ثالثا من نوعية قراراته سلوكياته والتي جعلت منه شخصية دينامية.. شعبوية وطامحة إلى التأثير خارج الحدود الوطنية..
وعلى صعيد قارة تشاركه في أغلبها النطق بالإسبانية والانتماء إلى ثقافتها، فضلا عن شراكة في تركة من الفقر والتخلف وطموحات التنمية وتراث مازال باقيا ومحسوسا من التأثر بالدعوات الراديكالية الطامحة إلى التغيير لصالح جموع الناس.
وهي دعوات تلمع في طياتها أسماء وزعامات من قبيل كاسترو في كوبا وأورتيغا في نيكاراغوا والليندي في شيلي، دع عنك أرنستو تشي جيفارا الذي مازالت دراما حياته وتراجيديا مصرعه أقرب إلى الأسطورة التي ما برحت تلهب وتلهم خيال أجيال عديدة سواء في عموم القارة اللاتينية أو على صعيد العالم كله.
في كل حال تتصاعد الدعوات حاليا على صعيد المسرح السياسي في الولايات المتحدة إلى معاودة الاهتمام ـ بتركيز أعمق ـ على التعاطي مع شؤون وشجون الجارة اللاتينية الشاسعة الأرجاء وفي مقدمة الأسباب التي يسوقونها في هذا المضمار أن النازحين إلى الشمال ليصبحوا من سكان الولايات المتحدة ورعاياها وهم يحملون لقب «لاتينو» أصبحوا أكبر مجموعة عرقية في أميركا الشمالية، وكان أن فاق عددهم بالمقارنة بعدد الملونين الأفرو ـ أميركيين..
حيث النسبة هي 15 في المئة إلى 13 في المئة من مجموع سكان أميركا. هناك أيضا مشاكل المخدرات التي تزرع في الجنوب اللاتيني ويتم تجهيزها في أميركا الوسطى الكاريبية تمهيدا لتهريبها لزوم الاستهلاك والدمار النفسي والاقتصادي في أسواق الولايات المتحدة إلى الشمال.
وهناك كذلك قضايا العصابات (الجانجز) ذات الأصول اللاتينية التي تزاول كل أنماط الأنشطة غير القانونية وغير المشروعة وتستقطب أعدادا بغير حصر من عناصر اللاتينو التي أشرنا إليها مستغلة في ذلك أحوال البطالة وقدرة مجتمع اللاتينو على التكتم والاحتواء واستيعاب الخارجين على القانون، ولاسيما في ولايات جنوبية مثل فلوريدا.
حيث تشجع سلطات واشنطن ذلك التجمع اللاتيني المناهض لحكومة كاسترو ويحمل عنوان «اللوبي الكوبي» أو في ولايات الغرب ـ كاليفورنيا بالذات حيث الصراعات المحتدمة دمويا بين العصابات التي تنتمي إلى اثنيات شتى من أبرزها اللاتينو من ناحية والآسيويون ذوي الأصول الصينية من ناحية أخرى.
في نفس المضمار يمكن القول كذلك ان معاودة الاهتمام بالقارة المنسية لا يعزى فقط إلى أنها منبع المشاكل بالنسبة للولايات المتحدة.. بل لقد تحولت ظروفها مع سنوات القرن الجديد إلى الأفضل.. ولدرجة أن يصفها الكاتب الإنجليزي «مايكل ريد» وهو كبير مراسلي مجلة «الإيكونومست» الاختصاصيين في شؤون أميركا اللاتينية قائلا: لقد جاء عام 2007 ليشهد معظم أقطار تلك القارة وقد باتت في أوضاع أفضل مما كانت عليه طيلة السنوات الخمس والعشرين الماضية.
والإشارة أو الإشادة هنا تتعلق بنجاح تلك الأقطار اللاتينية في الخروج من ربقة المديونية الفادحة والتضخم الرهيب الذي أصاب اقتصاداتها.. وكذلك إلى التحولات الديمقراطية التي تمت على أرضها.. والى ترشيد إجراءات إدارة الاقتصاد الكلي (الماكرو ـ اقتصاد) بهدف توسيع رقعة العدالة الاجتماعية.
الأمر الذي أتاح فرصا للاستقرار الاجتماعي مما هيأ الفرصة بدوره ـ وهو أمر طبيعي ـ لتدفق كميات لها قيمتها من الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي ما لبثت أن لعبت دورها كعنصر حيوي وشريك فاعل في عمليات التنمية في طول القارة الأميركية اللاتينية وعرضها.
من جانبنا نلاحظ أن المفكر الأميركي فوكوياما ـ وهو كما نعرف من أصل ياباني ـ يحث أطراف أميركا اللاتينية على الإفادة من تجارب شرقي وجنوب آسيا في عملية التنمية.
ويؤكد الاهتمام بأن التجارب الآسيوية قد بلغت غايتها من النجاح (في الهند والصين مثلا) من خلال التركيز على محورين جوهريين هما:
(1) الإصلاح الزراعي بمعنى الاهتمام بمحور التنمية الريفية الشاملة وتحسين أحوال الفلاحين والمزارعين.
(2) التعليم بمعنى زيادة الاستثمارات الموظَّفة في مجالات التربية والبحث العلمي وترقية الأداء التعليمي وهو الكفيل بتهيئة مخرجات (outputs) بشرية قوامها الإنسان الفاهم.. الواعي بالحقوق والواجبات والقادر على المشاركة المستنيرة والفعالة في التحول الديمقراطي وفي جهود البحث والتطوير التكنولوجي لصالح المجتمع.
إن فوكوياما يدرك ولاشك أن أولوية اهتمامات واشنطن بالشرق الأوسط ترجع إلى أن المنطقة الشرق أوسطية تعاني مشاكل وتعقيدات تمس مصالح أميركا في الصميم..
ولكنه يدعو إلى معاودة الاهتمام بالجارة المنسية في أميركا اللاتينية بحكم ما استطاعت تحقيقه من منجزات، فهل يأتي اليوم الذي تسلط فيه أضواء الاهتمام على الشرق الأوسط.. لا بوصفه برميل بارود ولكن باعتباره منارة للتقدم وموئلا للحضارة كما كان العهد به في يوم من الأيام؟
كاتب مصري