قد يتساءل القارئ عن الرابط العجيب بين شطري العنوان: البساط الأخضر والحكومة الإلكترونية!
مرّت البلاد بأيام سعيدة، عشنا أجواءها وفعالياتها جميعاً، كباراً وصغاراً، وربما لا نزال نعيشها إلى هذه اللحظة، لأن المناسبة عظيمة، وتستحق أن نحتفل بها، وأن نحمد الله عليها في كل يوم، وهي مناسبة اتحاد إماراتنا السبع، وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، في الذكرى السادسة والثلاثين لهذا اليوم التاريخي.
ليس من السهل التوقف أمام هذه التجربة التي استطاعت أن تثبت أن لا مستحيل أمام الإرادة، .. إرادة القادة وإرادة الشعوب، لأن هذه الإرادة هي نفسها التي حولت دولتنا من بين الدول المحيطة بنا إلى جنة خضراء كانت قبل ست وثلاثين سنة صحراء لا يُرى فيها اللون الأخضر إلا لماما.
إن دولاً كثيرة تحتفل مثلنا بأعيادها الوطنية، ولكنّ لاحتفالنا بعيدنا الوطني مذاقًا مختلفًا، لسببين: الأول هو أن مناسبتنا تختلف عن المناسبات الوطنية الأخرى التي تكاد تكون في مجملها احتفالاً بالاستقلال، في حين أننا نحتفل بالاتحاد، وبين الاثنين بون شاسع وواضح.
والثاني هو أن قائمة إنجازاتنا تطول وتطاول عنان السماء، في فترة زمانية لا تتجاوز ستة وثلاثين عاماً، ومعظم دول الجوار بدأت مشوارها كدول مستقلة في أوقات متقاربة، ولكن إنجازاتنا على مختلف الصعد تختلف كثيراً عن إنجازات غيرنا، لذلك يبقى الإماراتي دائماً أينما ذهب مضرب مثل سواء على مستوى السلوك الشخصي، أو على مستوى الإنجازات الرسمية للدولة.
ولو أردنا ضرب الأمثلة على ذلك لما كفانا حيز كهذا الحيز، وأعتقد أن الأمثلة تتحدث عن نفسها بنفسها في كل مكان في الدولة، ولا تحتاج إلى سردها أو التذكير بها. ولكني سأتوقف عند ملاحظتين مرتبطتين ببعضهما، تكررتا على مسامعي في زمنين مختلفين، ويمكن أن نستشف منهما الكثير.
أذكر أن إحداهن ـ وهي ضيفة جاءت من دولة خليجية مجاورة ـ قالت لي ذات مرة ونحن ننتقل فيما بين شوارع العاصمة أبوظبي من مكان لآخر أنها تشعر أننا نتحرك ضمن حديقة كبيرة لا حد لها، فضحكت وقلت لها: إننا بالفعل نسكن في حديقة.
كان ذلك قبل عدة سنوات، ولكن قبل عدة أيام من احتفالنا بعيد الاتحاد لهذا العام جاء لزيارتي اثنتان من صديقاتي، من دولة خليجية مجاورة أخرى، وبينما نحن نتجول في شوارع مدينة العين، باتجاه مبزرة الخضراء، إذا بإحداهما تقول: سبحان الله في هذا الاخضرار الذي يحيط بالعين أنى اتجهت، فقلت لها: انتظري حتى تري الاخضرار الأروع الذي نتجه إليه، فقالت: وهل يوجد ما هو أروع مما أرى الآن من أشجار ونخيل في كل مكان؟
فأوصيتها بالانتظار حتى تحكم بنفسها، وبينما نحن في طريقنا إلى المبزرة، لم يتوقف لسانها عن الدعاء للوالد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي كان سبباً مباشراً في المتعة التي يعيشها ناظراها في تلك اللحظة، ولكنها حين وصلت المبزرة انعقد لسانها، ولم تعد تستطيع النطق، لأنها تقارن بين قمة الجبال الصخرية، وأسفلها المخضر، فتشعر بما يشبه الصدمة!
هذان المثالان اللذان يتوقفان عند جزئية تحويل الصحراء إلى جنة خضراء تسر الناظرين يحملان الكثير في ثناياهما، إذ ما الذي يجعل الزائر يتوقف عند هذا البساط الأخضر الطبيعي الذي يكسو شوارع الدولة في حين يأتي التعقيب على النهضة العمرانية، والسياحية، والاقتصادية، وغيرها تالياً؟
يبدو السبب الرئيسي في ذلك ـ من وجهة نظري ـ في أن النهوض بالعمران، والسياحة والاقتصاد وغير ذلك مما يُستطاع عليه، لأنه يعتمد اعتماداً أساسياً على وفرة المال، والأيدي العاملة وهي أمور متوافرة وموجودة في كثير من الدول. في حين يعتمد إحلال اللون الأخضر محل اللون الذهبي المصفر إلى الإرادة قبل المال والأيدي العاملة، وهي أمر قد لا يتوافر للجميع، وإلا لكانت جميع الدول المحيطة بنا والبعيدة عنا خضراء أيضاً، وهو أمر لا يسنده الواقع.
سعادتنا بما أنجزناه التي تتحول تلقائياً إلى فخر يرفع به كل إماراتي رأسه لا ينبغي أن تقف حاجزاً بيننا وبين رؤية بعض الثغرات التي لا تزال تترك على جدارنا الأملس الصقيل بعض النتوءات غير المستحبة، إذ يجب أن نمسك دائماً بمجهرنا الفاحص لنطمئن من خلاله على أن كل شيء يسير في مداره الصحيح، وأننا نسير بنفس سرعة عصرنا إن لم نتمكن من التقدم عليه، وهو ما يساعدنا على أن نتبادل النصح فيما بيننا، وأن يصدر النقد منا وإلينا، بدلاً من أن يُوجّه إلينا من أي طرف خارجي.
وسأتوقف في كلامي هذا عند بعض المعاملات الرسمية التي لا تزال حتى اليوم متشبثة بشيء من إرث الأمس، من البيروقراطية التي تعطل العمل ولا تسهله، ومن الروتين الذي مضى زمانه ونحن في قلب عصر المعاملات الإلكترونية التي تساعدنا على إنجاز كثير من معاملاتنا المهمة ونحن في منازلنا.
في موقف تعرضت له شخصياً في إحدى الدوائر الحكومية في الدولة لاحظتُ أن الموظفة تتعمد تأخير المراجعين على الرغم من أن عددنا ليس كبيراً، وكان بإمكانها إن اهتمت بالأمر أن تنجز معاملاتنا جميعاً ثم تتفرغ للحديث على الهاتف، أو لتبادل الأخبار الخاصة مع الموظفة التي تجاورها في المكان نفسه، لكنها فضلت أن تتركنا ننتظر، وننتظر، حتى مللنا الانتظار، وحين تفرغت لنا قليلاً كانت تتعامل بطريقة ينقصها التهذيب، حتى أنني عندما حاولت أن أعرف اسمها من البطاقة المعلقة على العباءة لم أتمكن لسرعة حركتها ـ من غير هدف أو فائدة ـ.
وحين سألتها عن اسمها قامت بسرعة بسحب «الشيلة» على البطاقة لإخفاء اسمها على الرغم من أن ذلك في حد ذاته أمر ممنوع، ورفضت التصريح باسمها وهي تردد أنها واثقة في نفسها وفي عملها، وعلى الرغم من هذا لم تصرح باسمها!
هذا موقف يسيء إلينا، فالموظفة مواطنة، وكثير من موظفاتنا يُشهد لهن بالالتزام وتحمل المسؤولية، واحترام الآخرين، بل والحرص على مساعدتهم حتى إن كان يحتاج خدمة تتعلق بقسم آخر، إذ نجد الكثيرات يقمن من تلقاء أنفسهن بمساعدة المراجع كي يصل إلى القسم، أو يخبرنه بالأوراق المطلوبة قبل التوجه إلى الجهة التي يريدها، وهكذا.
ولكن مثل هذه الموظفة التي أشرتُ إليها تسيء إلى جملة الموظفات، لأن النقد السلبي غالباً ما يُعمّم من قِبَل الكثيرين، لذلك أقترح أن يتم عقد الدورات المتخصصة في كيفية التعامل مع المراجعين لموظفينا بين حين وآخر، فالذكرى تنفع المؤمنين.
كما يوجد موقف آخر يتعلق بطبيعة بعض المعاملات الرسمية التي تحتاج استثناءات من قِبَل بعض رؤساء الأقسام؛ فقد كنت أراجع جهة ما خلال الأسبوع الماضي، وقد ذهبت وأنا أحمل كل الأوراق المطلوبة، وفي ذهني أن المعاملة ستنتهي في اليوم نفسه، خصوصاً مع التسهيلات الكبيرة التي توفر علينا الوقت وتنقذنا من تكرار التردد على بعض الدوائر الحكومية إذ ينتهي المراجع من معاملته في اليوم نفسه إذا دفع رسوماً إضافية، لكني فوجئت بأن معاملتي تحتاج توقيع رئيس القسم.
ولأنني كنت هناك في الفترة المسائية، وهو غير موجود حينها، تحتم عليّ العودة في اليوم التالي بأوراقي مرة أخرى، ليوقع عليها رئيس القسم، مع أن هذه المعاملة هي الخامسة بالنسبة لي، أي أنني في كل مرة أذهب وأحصل على توقيع رئيس القسم.
لذلك سألت الموظف: لماذا لا تضعون عندكم في السجل الخاص بي ـ وبغيري ممن يحتاجون إلى توقيع رئيس القسم ـ ملاحظة تعفينا من هذا العناء طالما أن رئيس القسم سبق أن وافق ووقع على أول معاملة؟ فقال: هذا هو النظام، ونحن لا توجد لدينا أية صلاحيات.
لا أخفيكم أنني استغربت فعلاً، ونقلت له استغرابي، وربما كان يراه في وجهي مباشرة دون أن أتكلم، لأننا في دولة تتحرك نحو الإلكترونية بخطوات سريعة، وأنا أطمع وأطمح إلى أن يأتي يوم قريب نقوم فيه بإجراء جميع معاملاتنا إلكترونياً، من منازلنا ومكاتبنا، فهل سنبقى حينها ننتظر توقيع رئيس القسم قبل أن نقدم المعاملة إلكترونياً؟
جامعة الامارات