من المقرر أن تعقد بعد أيام الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين المغرب وبوليساريو، ومن المهم دراسة إمكانيات التوصل إلى تسوية خاصة بهذا الشأن بعد الجولتين السابقتين حيث انتهت الجولة الأخيرة بدون تحقيق أي انفراج. واتفاق الجانبين على عقد جولة جديدة من المباحثات.
وجرت المحادثات على مدار يومين ولم يكن من المتوقع أن يتم التوصل إلى أي اتفاق في ضوء قصر مدة المحادثات. وتسعى البوليساريو التي تتخذ من الجزائر مقرا لها للاستقلال بالصحراء بينما يتمسك المغرب بملكية هذه الأراضي.
واستمر النزاع بين الطرفين لمدة 32 عاما فيما يسمى ب«صراع إفريقيا المنسي»، غير أن البوليساريو أوقفت العمليات العسكرية التي كانت تشنها عام 1991.
وكان مجلس الأمن الدولي قد تبنى في ابريل الماضي القرار 1754 والذي دعا الطرفين لعقد محادثات غير مشروطة لإيجاد حل سياسي يقرر من خلاله شعب الصحراء مصيرها.
وضغطت الولايات المتحدة على كل من المغرب والجزائر لعقد هذه المحادثات لأنها تريد تعاونا أكبر في مكافحة الإرهاب في شمال إفريقيا.
ومن المفيد التعرف على مواقف الأطراف المعنية خاصة وان الجولة سوف تجرى بعد وقت قريب التي حيث أعلنت مصادر برلمانية مغربية أن جولة المفاوضات الثالثة بين المغرب وجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو) حول الصحراء الغربية ستبدأ في نهاية ديسمبر أو بداية يناير 2008 في إطار الأمم المتحدة.
وأضاف المصدر أن وزير الدولة المغربي للشؤون الخارجية الطيب الفاسي الفهري أعلن هذا الأمر أمام لجنة برلمانية. وأمل الوزير المغربي أن تتخذ الجزائر التي تدعم بوليساريو، موقفا ايجابيا من الاقتراح المغربي بمنح الصحراء (الغربية) حكما ذاتيا خلال المفاوضات المقبلة.
وقال إن هذا الحل السياسي القائم على تفاهم يجب أن يضع حدا لنزاع الصحراء، مشددا على أن مجلس الأمن الدولي رحب بالاقتراح المغربي معتبرا انه جدي وذو صدقية واقترحت الرباط منح الصحراء الغربية حكما ذاتيا موسعا تحت السيادة المغربية، لكن بوليساريو ترفض الخطة المغربية وتصر على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره عبر استفتاء.
ويبدو من استعراض المواقف التاريخية للطرفين المتنازعين أن جلوسهما على مائدة المفاوضات يعد في حد ذاته مكسبا مهما، لأنه يزيح الحاجز النفسي فيما بينهما ولكن من المهم القول أيضا إن الجولة الثالثة المنتظرة لابد وان تحقق اختراقا.
فيما يتعلق بمضمون التسوية لان هذا الأمر إن لم يحدث فسوف يعد دليلا على أن أطرافا دخلت في عملية المفاوضات ذاتها كمناورة سياسية وبهدف كسب الوقت وليس بهدف التوصل إلى تسوية حقيقية للصراع الذي يعد احد بقايا الحرب الباردة في منطقة شمال إفريقيا وجنوب البحر المتوسط.
بما يعني أن هذه الجولة بالذات هي الحاسمة في مسار التسوية الخاصة بالصحراء ومن هنا يمكن لنا تفسير أسباب تأخر هذه الجولة والفترة الطويلة من الوقت التي فصلتها عن الجولة السابقة التي عقدت في شهر أغسطس الماضي.
ونعتقد أن الطرفين المتفاوضين يدركان هذه الأهمية ونعتقد أيضا أنهما سوف يحرصان خلال الجولة المقبلة على عدم تضييع فرصة التسوية التي تحظى بإجماع دولي لأنها تجرى تحت إشراف ورعاية الأمم المتحدة وهي فرصة لن تتاح لهما في المستقبل بما يعني أن فشل هذه الجولة سيصل بالمسألة الصحراوية إلى طريق مسدود.
وفي الوقت الذي يرى فيه معظم المحللين انه لا توجد على ما يبدو ثمة مساحة تذكر لأي من الطرفين لتقديم تنازلات، ذلك أن العاهل المغربي محمد السادس قال في خطاب له مؤخرا إن بلاده تعرض الحكم الذاتي ولا شيء غيره. فانه من غير المرجح أن تتراجع البوليساريو عن مطلبها بإجراء استفتاء يخير الناخبين بين الاستقلال أو الحكم الذاتي أو الاندماج الكامل في المملكة المغربية.
يمكن القول إن الأمل المتاح في التسوية لابد وان يرجع إلى الضغوط الخارجية التي تمارس التي على الطرفين وفي هذا الصدد لابد من الإشارة إلى طرفين يمكنها ممارسة هذه الضغوط الأول هو الجزائر التي تملك قوة ضغط معنوية وسياسية كبيرة على المنظمة بوليساريو.
وإذا كانت الجزائر ترفض الاعتراف بكونها احد الأطراف الرئيسية في الصراع أو اعتبارها طرفا فيه من الأصل حسبما تريد المغرب التي طلبت التي أكثر من مرة اشتراك الجزائر في المفاوضات، فهي تستطيع أن تقدم عونها للأطراف باعتبارها تبغي المصلحة المغاربية بحيث يكون جهدها تطوعيا وليس إلزاميا لها.
أما الطرف الثاني فهو الولايات المتحدة الأميركية التي لها مصالح حيوية في منطقة المغرب العربي زادت بعد أن بدأت في حربها ضد الإرهاب.
وإذا كان الصراع حول المسألة الصحراوية هو من بقايا الحرب الباردة كما سبق لنا أن ذكرنا، فهناك من يرى انه دخل في حرب باردة جديدة غير معلنة بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
خاصة في فترة حكم الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك الذي طبق السياسية الخارجية الديجولية بصورة حاسمة، فانه يمكن القول إن هذا الأمر مرجح له أن يتغير بقدوم الرئيس ساركوزي الذي يطبق سياسة تقارب مع الولايات المتحدة.
من هنا هناك من يرى أن فرص المناورة المتاحة أمام الطرفين للاستفادة من التناقضات الأميركية الأوروبية خاصة الفرنسية لم تعد واسعة بما يشكل عامل ضغط على الأطراف المعنية بالمسألة الصحراوية ويجعلها تبدي مرونة داخل المفاوضات وهو ما يجعل إمكانية الحل أصبحت متاحة الآن عن ذي قبل.
من كافة هذه المقدمات يمكن القول إن هذه الجولة سوف تكون حاسمة على صعيد التوصل إلى تسوية للصحراء الغربية.
ومن المهم الإشارة إلى أن هناك صيغة وسط بين الموقفين المسبقين لطرفي الصراع وهي الحكم الذاتي الواسع الذي تعرضه المغرب، والاستفتاء الذي يطالب به الصحراويين والذي سبق للمغرب أن وافق عليه ولكنه تعنت فيما يتعلق بعدد الذين يحق لهم المشاركة فيه.
والحل الوسط هو تأمين دور رئيسي لأعضاء البوليساريو في ترتيبات الحكم الذاتي، وهذا الأمر يمكن أن يخضع لتسويات عديدة قد تتمخض عنها الجولة الثالثة لكنها لن تصل إلى الحل النهائي إلا بعد أن تنضج التسوية التي سوف يكون خطها العام الحكم الذاتي الواسع الذي يضمن دورا لقيادات بوليساريو.
كاتب مصري