بحكم العمل كانت لي فرص كثيرة أن التقي الكثير منهم، جيل الأجداد والآباء، أولئك الذين توزعت حياتهم بين البر والبحر في الماضي، حينما كانت الحياة صعبة عليهم، وعليهم ان يغامروا في رحلات طويلة بحثا عن اللؤلؤ والصيد والتجارة البحرية، في سفنهم الشراعية التي تمخر عباب بحر الخليج وتخرج منه إلى سواحل افريقيا والهند وسط مغامرات مع الريح والموج ومخاطر المجهول.

كثيرون تحدثت معهم عن شريط ذكرياتهم وهم يصفون الحياة الصعبة التي كانوا يعيشونها، وحينما اسألهم عن الحاضر يبدو لي كأنهم سيبكون من شدة الفرح وشعورهم بالعيش الرغيد.. وأول ما تبادر بالسؤال عن العيش في مرحلة ما بعد الاتحاد يرفع كل منهم يده بالدعاء لحكام البلاد والشكر على يسر الحال، و»الشراغة« التي بدت عليها حياتهم..

كم هم صادقون في تعبيراتهم، وكم هم يحملون جميلا في دواخلهم لما طاب العيش لهم..الاتحاد بالنسبة لهم هو الخير الذي حل بالبلاد وهو الرخاء الذي جاء ليوفر عليهم ذلك الاغتراب في المجهول. يحبون البر والبحر حبا لا نظير له، حتى ولو آنسوا فيهما التعب والشقاء، ويعاتبونا نحن جيل الشباب في ذلك الوقت..كثير منهم يقول: انتم لم يأكل التعب من سواعدكم جئتم في عهد الخير والرخاء..جئتم في عهد الاتحاد..

ترسخ فيهم الاتحاد بمعانيه ودلالاته اللامتناهية وتماهوا معه بقدسية كبيرة.. وعلموا أبناءهم وبناتهم وأوصوهم بخيره. فجر الاتحاد كان فرحة اجتاحت الصدور وكان هدفا اشتدت به القامات، وكان عملا شمرت له السواعد..جداتنا وأمهاتنا ممن كتب لهن أن يعشن مرحلة التحول الكبرى هن أيضاً كذلك..يدعين للاتحاد.

ما يميز حالة الاتحاد عندنا وتكون الدولة ليس فقط ان الوضع كان عبارة عن إمارات منفصلة، قائمة بذاتها ولكل واحدة مصير وقرار مختلف وجاء الاتحاد ليؤسس ارتباطها في مصير وهدف واحد، ولكن لأن هذا الاتحاد الذي تأسس، أقيم على إرادة صلبة هدفها بناء الإنسان وجلب النهضة وإسعاد أهله وناسه، وما يميز تجربتنا هو ان شيوخنا لم ينفردوا بالخيرات.

كما حدث ويحدث في كثير من البلدان، ولكنهم كرسوا انفسهم جنودا في البناء والتعمير والتطوير وإسعاد شعوبهم، فتحوا مجالسهم ومكاتبهم وأبوابهم وشاركوا في البناء وقدموا خير البلاد للبلاد والعباد. لهذا يتفرد اتحادنا وتتفرد دولتنا بهذه الشراكة المطلقة والتلاحم الفريد. لهذا نحسد على هذا الوئام وعلى العيش كأسرة واحدة، والينا وولي أمرنا هو أب وأخ، ومن هذا المنطلق صار للسلطة عندنا مفهوم آخر يندر مثيله في كثير من الحالات.

mhalyan@albayan.ae