هل نكتب عن 36 سنة متواصلة من البناء الذي لا يتوقف؟
أم نكتب عما تم تحقيقه خلال السنة الماضية فقط؟
أم عما حققناه يوم أمس؟
أم عن الساعة الأخيرة؟
ففي كل دقيقة تمر في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة هناك إنجاز ما تحقق أو يتحقق الآن في هذه اللحظة التي نتحدث فيها، إنجاز على مستوى رفض فكرة استحالة الوحدة الإسلامية والعربية، إنجاز على مستوى توظيف نسبة مهمة جداً من دخل الدولة من النفط لبناء الإنسان، وتوفير كل الضروريات اللازمة له من تعليم وصحة وثقافة ومسكن.. إلخ،
إنجاز على مستوى المحافظة على الماضي الذي بنيت عليه أسس وقواعد هذه الدولة التي لا مثيل لها على مستوى العالم العربي والإسلامي، إنجاز على مستوى الفرد. فلم يغير التطور المفاجئ للدولة من نفسية المجتمع الإماراتي ولا من روحه المتواضعة والطيبة والتي تفتح يديها لكل من جاء بغض النظر عن أصوله ومعتقداته.
إنجاز على مستوى العلاقات الدولية: فمن منكم سمع أن قررت دولة الإمارات العربية المتحدة في يوم ما سحب أي سفير لها من أي دولة من دول العالم على خلفية خلاف بين الدولتين؟ دولة مدهشة بكل معاني الكلمة. مدهشة في شعبها، مدهشة في تقدمها السريع، مدهشة في كرمها، مدهشة في مواقفها، مدهشة في طبيعتها المتنوعة، مدهشة في تمسكها بموروثها.
نحن لا نكيل المديح لدولة تحتفل اليوم بمرور 36 عاما فقط على قيامها. نحن نضع الوقائع أمام أعيننا ونقول لكل من يشكك في إنجازاتها: اعطونا مثلا آخر على اتحاد عربي أو إسلامي بني على نفس هذه القواعد واستطاع أن يستمر 36 عاما متواصلة دون نزاعات
ولا خلافات ولا حروب أهلية ولا اشتباكات ولا تراشق بالكلمات ولا استخدمت قط الهراوات وليس لها نظام الخدمة العسكرية الإجبارية، لأنها ليست في حاجة لها! نحن دولة تشبه قصص الخيال العلمي، ولكنها واقعة.
نحن دولة اتحاديه نموذجية استمرت طوال هذه العقود بالتفاهم والتضحية والعطاء والتواضع وليس بالسوط وحد السيف والعسكر، من منا سمع عن دولة يرأسها رئيس واحد وبها سبعة حكام لم يطالب أي واحد منهم في يوم من الأيام وعلى مدى 36 عاما ولو حتى تلميحا بحقه في كرسي الرئاسة أو في أي منصب ذي امتياز آخر؟
نحن ننظر إلى العالم من حولنا ولا نجد إلا صراعا على السلطة، أو البحث عن تكوين الثروات في زمن قياسي على حساب لقمة عيش الشعوب التي لا حول لها ولا قوة، ولا نرى إلا المؤامرات الداخلية للإطاحة بفلان والقضاء على فلان... والتخلص من فلان، وننظر إلى أنفسنا بكل موضوعية وحيادية، فلا نجد إلا التضحية والأريحية وتقديم الآخر قبل النفس، والنظر إلى المصلحة العامة قبل الخاصة.
على تربة هذه الروح الرائعة والبسيطة تأسست قواعد هذه الدولة المعجزة، وأصبحت محط أنظار العالم شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وليس الأمر بهذه البساطة كما قد يتصور البعض. فالموقع الجغرافي لهذه الدولة الذي يجعلها على مقربة من أخطر الأحداث التي عصفت بالعالم الإسلامي منذ دخول الألفية الثالثة، يجعل من الصعب تجنب آثارها عليها.
وبالرغم من ذلك، أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من أكثر دول العالم أمنا واستقرارا على كافة الأصعدة والعالم كله يعيش أزمة الفتنة العسكرية والسياسية. فكيف استطاع هذا الشعب البسيط والحديث نوعا ما أن يحافظ على توازنه في وسط هذه الأحداث؟ وكيف تمكن من أن يحمي خيمته الصغيرة من النيران التي وصلت ألسنتها إلى مقربة من أطرافها؟ إنها أيضا معجزة شعب عرف كيف يتصرف بحكمة الآباء وفلسفة التاريخ.
ليس ذلك فحسب، بل ان حكمته وفلسفته بقيمة الحياة لم يعمل بها لمصلحته فحسب، بل أراد أن يعممها على جيرانه وأصدقائه. فلا أحد ينسى المحاولات التي قام بها مؤسس هذه الدولة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في إبداء النصح والنصيحة لنظام العراق السابق لتجنيب العراق ويلات الحرب القادمة.
وكان بإمكانه رحمه الله أن يجنب نفسه التدخل فيما لا يعنيه. وفسر كلامه على أنه موقف ضعف، إلى أن كشفت الأيام صحة موقفه، ونظرة الحكيم إلى النتائج قبل النظر إلى التباهي بوهم قوة العضلات، وهذا النهج هو الذي سار عليه أصحاب السمو حكام الإمارات منذ قيام الدولة، في كل خطواتهم لبناء دولة عصرية متقدمة وآمنة ومسالمة.
إن مسألة الأمن والأمان أصبحت هاجس كل شعوب العالم. حتى أعتى الدول قوة وعتادا لم تستطع أن توفر الأمن لشعوبها. فهي ليست قضية بنادق ومدافع وحرس وجنود وهراوات. فدولة الإمارات العربية المتحدة لا تملك من ذلك إلا ما يسد حاجتها للدفاع عن نفسها في لحظة الخطر. وإنما هي قضية كيفية المحافظة على توازننا مع العالم الخارجي والداخلي على السواء.
هذا هو أساس أمن أي دولة وأي شعب وأي بيت بل وأي كائن حي. أذكر أحد الفرنسيين من القادمين الجدد إلى الدولة الذي أثار في احد المقاهي الفرنسية المنتشرة في الدولة مسألة الاضطرابات التي عصفت بفرنسا قبل عامين، مدعيا بأن هؤلاء اللؤماء من الأصول الشمال افريقية الذين استقبلتهم فرنسا عضوا على اليد التي أطعمتهم. فضحكت من قوله،
فلما سألني عن سبب استهانتي بقوله قلت له، الحقيقة هي العكس، لأن فرنسا هي التي عضت على يد هؤلاء الذين ضحى آباؤهم لأجل تحرير فرنسا في كل حروبها! فمعظم هؤلاء لا توفر لهم فرنسا اليوم أدنى احتياجاتهم الضرورية من تعليم وصحة وعمل. وما ثورتهم هذه إلا تعبيرا عن رفض الظلم والخيانة التي أصبحوا ضحيتها.
بينما في دولة الإمارات العربية المتحدة نجد أن الأجنبي معزز ومكرم وربما وفي حالات كثيرة تفوق المواطن نفسه، باعتبار أنه ضيف يجب عدم التقصير معه. لذا لن تجد مثل هذه الأعمال التخريبية في بلدنا رغم أن نسبة الأجانب تفوق نسبة المواطنين بثمانين مرة! وربما صعق ذلك الفرنسي وهو يستمع فيما يبدو لأول مرة عن دولة يفوق فيها عدد الأجانب عدد المواطنين بهذه النسبة المخيفة.
نعم لدينا تلك النسبة دون قيد أو شرط. وربما نعد دولة الإمارات العربية المتحدة من بين أكثر دول العالم تساهلاً في السماح للأجانب بالدخول إلى أراضيها، والعمل بها، والاستثمار فيها، وتحويل الأموال منها فيما بعد إلى دولهم دون ضريبة ودون رسوم ودون مساءلة!
فما كان منه إلا أن صاح قائلا: (إنها إذن جمهورية أفلاطون المثالية!) كلا، لسنا مثاليين إلى هذه الدرجة. فنحن فقط نطمح للمثالية. وبالأمس اتصل بي مندهشا من القرار الذي أصدره صاحب السمو رئيس الدولة بزيادة رواتب الموظفين بنسبة 70% طالبا مني تأكيدا على صحة الخبر أو أنها كذبة نوفمبر!.
فأضفت بأنها الزيادة الثانية خلال عامين! وأنها شملت حتى الموظفين من غير المواطنين! فصعق المسكين بهذه المعلومة، غير مصدق بأن هناك دولة في العالم اليوم تقرر حكومتها زيادة الرواتب بهذه النسبة الخيالية بجرة قلم واحدة. فقلت له مازحا، لو كان لدينا برلمان كبرلمانكم في فرنسا لما حصلنا حتى على 10% من هذه الزيادة،
ولم نجد المدارس والمستشفيات المجانية ولم تصرف أفضل الكتب العلمية لطلاب الجامعات الحكومية بالمجان، ولم تستطع أن تفتح أنت بنفسك فرعا لشركتك في دولة الإمارات العربية المتحدة بأبسط الإجراءات الإدارية.
وأخفيت عنه منح الزواج وبناء المساكن الشعبية المجانية أو إرسال المرضى للعلاج في الخارج على حساب الدولة ولا حتى عن قروض السكن دون فوائد ولا فتح أبواب الحكام على مصراعيها للقاء المواطنين وحل مشاكلهم! خشية أن يصاب بالجنون! هذا نحن اليوم. وليت أفلاطون كان حيا.
بالأمس، وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن الماضي وجد سكان وأهالي المنطقة أنفسهم مجبرين على أكل نوى التمر، وخياطة أثواب أبنائهم من خيش الأرز أو في أحسن الأحوال من نسيج مظلات الهبوط البريطانية، واليوم أبناء هؤلاء يركبون صباحا أفخم السيارات، ويلبسون عصرا أفضل الماركات ويأكلون مساء أفضل الأطباق العالمية ويبيتون ليلا في برج العرب أو قصر الإمارات! ومع ذلك لم يبطروا ولم يبطشوا...
ولم يبخلوا ولم يكرهوا أحدا! فتحية لحكامنا ولكل فرد من أفراد هذه الدولة الرائعة، ولكل من يعيش عليها، وعسى أن يديم الله علينا نعمه، ويبعد عنا غضبه، ويعم علينا أمنه وأمانه، وكل عام ودولتنا الآمنة بخير.
جامعة الإمارات