سأبقى أحكي هذه الحكاية ما حييت، ولعلي أذكر بها أيضاً صحبي وزملائي الطلاب في الصف السادس وفي مدرسة طارق بن زياد في منطقة البراحة بدبي، ذلك اليوم الذي طلب فيه مدرسنا أن نلزم الهدوء ونبقى في مقاعدنا جالسين، انفتح الباب ودخل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بوقاره وهيبته وهيئته العملاقة علينا وتبعه المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ثم من كان في معيتهما.
وكان أن تشرفنا بتلك الكلمات التي ألقاها علينا الشيخ زايد بذاك الصوت الأبوي الحنون وصوت المعلم الحكيم، لا أعرف كم عدد الطلبة في تلك السنة من الذين تشرفوا بزيارة الشيخ زايد إلى فصولهم، فقد كان رحمه الله يطوف مع الشيخ راشد رحمه الله على المدارس ليشرح درس الاتحاد الأول.
قرأ علينا رحمه الله.. (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).. ثم احتضن وجوهنا جميعاً بعينيه، وأذكر له أن قال: الاتحاد مثل الشجرة؛ عروقها أجدادكم الذين نشأوا على هذه الأرض وكدوا وكافحوا وتحملوا شظف العيش، وجذعها نحن وآباؤكم وأنتم الأغصان التي تكبر،
وكلما كان جذع الشجرة متيناً وراسخاً في الأرض كلما أينعت الأغصان بالأوراق والثمار، وقال كلاماً كثيراً أبقت ذاكرتي منه على خلاصة الدرس العظيم، درس الاتحاد الذي نحفظه إلى اليوم عن ظهر قلب. أنا واحد ممن منّ الله عليهم في صباهم بلقيا المرحوم زايد أمام طاولة المعلم في فصل الدرس.
من هو الزعيم الأب الذي ذهب إلى فصول المدارس ليلقي على أسماع الأطفال والتلاميذ درساً من هذا النوع؟ إلى اليوم أحسد نفسي وصحبي زملاء الفصل على ذلك التشريف. رحل زايد إلى ربه ورحل معه راشد وبقت آثارهما ومآثرهما تشد من أعوادنا وخيرهما يتضاعف فينا كل يوم.
رحلا وتركا لنا أفعالاً وحكمة تشد من أزرنا وترفع عزائمنا وتدفع خطواتنا إلى الأمام.. أي حكمة تلك التي حملها درس الشجرة لصبيان صغار على طاولات الدرس؟ ها هو الثاني من ديسمبر يعود حاملاً إضاءته، وهاهي الإمارات التي كانت حلماً حين بدأت مشوار توحدها، وهاهي كلمات زايد عن الشجرة والجذع والفروع..
الفروع يا أبانا أثمرت وأسقطت بذورها فوق الأرض.. والبذور صارت أشجاراً لها جذوع ولها أغصان وثمر.. هاهو الاتحاد يا أبانا ضربت بأطنابه في قلوبنا وسقيته من حكمتك فأينع فينا أحلاماً وحباً.. ها نحن اليوم نزف البلاد عروساً ونُطير أفراحنا في سماها الغالية..آه لو ترانا في غمرة هذا الفرح.
