لأنه المسكون بأسرارنا وبوحنا الجميل فإن الوطن يرتبط ويشتد على وتر الطفولة، لأننا حينما كنا صغاراً بقاماتنا الغضة الصغيرة كنا أقرب إلى ترابه ونسيمه، ولأن لحساسية حواسنا في الصغر دقة متناهية وشفافية أدق من انعكاس صورة وجوهنا في الماء، فإننا نستنشقه عن قرب وبقوة.

لهذا يصبح الوطن حلواً ومخبئاً أسراراً..

أطفال الوطن ابتداء من أمس اشتروا أعلامه الصغيرة، حملوها ولوحوا بها في الطرقات والساحات ولبسوا قلائده. في عيونهم يبرق عشق ما بعده عشق. وعلى الجادة الأخرى أم تسير مع ابنتيها ألبستهما ثياباً بلون الوطن، وخلف فناء المدرسة كان يصدر من داخل ساحتها العامة صوت أهازيج وأشعار شعبية تندلق في الروح لأنها تغني للوطن. وفي الطريق كانت سيارة يقودها شاب حوّلها إلى لوحة جميلة تعبر عن حبه وتباهيه بالوطن.

يحق لنا أن نتباهى بإنجازنا لأنه معجزة في زمن تتردى أحواله وأحوال من فيه، ففوق هذا التراب الممتزج برمل البحر ورمل الصحراء صاغ الحب أنشودته دونما تعثر، وكان الاختيار الأول. فتأسست قواعد الحلم الكبير بإخلاص الرجال وعزائمهم ولأن المبتدأ هو الوطن انقادت المسيرة بيسر. تأصل الكرم وتجذرت الأصالة فصار عشقنا له أكبر مما نستوعب.

لهذا تجربتنا فريدة.. في زمن يبحث فيه الخبراء عن بصيص أمل لانجاز مفردة من مفرداتنا.

في الخارج يتحدثون عنا كثيرا.. ليس لأننا صرنا أكثر حداثة وتطوراً وتمدناً فقط ولكن لأننا ـ شعباً وقيادة ـ نتنفس برئة واحدة وننبض بقلب واحد ونعيش دفء الأسرة الواحدة.. كل هذا الوطن بيت وكلنا فيه نمارس أدوار العائلة.

قالوا ان الأمور بيننا تسير في هدوء غير معهود.. هذه الجملة حيرتهم.

أمام العين يبدو المشهد رائعاً والجميع يتحلى بالقلائد والأعلام. أغنية واحدة تجول في القلب لا سواها تروي سيرة المجد.

إنجازنا الذهبي الذي تحدثوا عنه لا علاقة له بهذا الركام الكبير من الاسمنت والعمران، بل في إنجازات الوطن التي شيدها في نفوسنا وعقولنا، في محصلات التنمية البشرية ومعدلاتها المتنامية.. في تحقيق القاعدة الكبرى للاتحاد.. الإنسان قبل المكان.

في عيدك لون غير ألوان الأعياد.. وها نحن مخفورون بحبك.. وطن من جروا حبال البحر إلى مراسيه وأناخوا نوقهم فوق ترابه الذهبي.

mhalyan@albayan.ae