أكتب لكم هذا المقال وأنا متعب جداً، فالساعة قد تجاوزت منتصف الليل، ولقد عدت قبل سويعات قليلة من عملي. إلا أنني رغم هذا كلّه أشعر بالرضا لأن طفليّ قد ناما في حضني لحسن الحظ. وأشعر بالرضا أيضاً لأنني استطعت بالأمس أن أقرأ لابني سعيد قصة قبل النوم حيث أنني لم أقرأ له قصة منذ زمن، وأصبحت هذه المهمة ملقاة على عاتق زوجتي.
عندما بدأ سعيد يحبو، تعاهدت مع زوجتي على تعليمه كل الأشياء الجميلة، فأتينا له بلوحات تعليمية علّقناها في غرفة الألعاب ليتمكن من تعلم الأرقام وحروف الهجاء.
وكان أحدنا يقرأ له كل ليلة قصة قصيرة مع علمنا بأنه لم يفهم شيئاً منها، إلا أننا كنا نؤمن في قرارة أنفسنا بأن هذه القراءات ستعود عليه بالنفع في يوم من الأيام. وعندما بدأنا البحث عن قصص تناسب سنه لم نجد غير قصص مكتوبة باللغة الإنجليزية.
ولأننا نؤمن بتعليم أطفالنا لغتهم الأم قبل أي لغة أخرى، فإننا كنا نقرأ القصة بصمت ثم نترجمها له بالعربية. إلا أنني كنت ألح على زوجتي لكي تجد له قصصاً من التراث الإسلامي كالسيرة النبوية ومواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه ومع الأطفال وغير ذلك من دروس تربوية.
وعلى الرغم من كل جهود البحث والتقصّي إلا أننا لم نجد شيئاً في هذا المجال، وكل ما وجدناه كان أكبر من سنّه، ومعظم الكتب كانت دون صور، ولأن الصور كانت إحدى أهم المعايير التي نختار على أساسها القصص، فهي أوّل ما يشد الطفل عند فتح الكتاب، فضّلنا ألا نقرأ له قصصاً كتبت للكبار.
وذات مرّة دخلت إحدى المكتبات لشراء بعض القرطاسية فلفتت انتباهي قصّة عن النبي هود - عليه السلام - كتبت للأطفال، فأخذتها دون أن أتصفح محتواها، فقال لي البائع بأن لديه سلسلة الأنبياء وسلسلة السيرة النبوية كاملة، فاشتريتها كلها دون تردد. وما أن عدت إلى البيت حتى تهللت أسارير زوجتي عندما رأت الكتب، وعزمنا ذلك اليوم على قراءة قصة النبي هود لابننا سعيد.
بعد أن قرأنا له مجموعة من تلك القصص بدأ سعيد (بالتأتأة) وبدأ يخاف أكثر من السابق حتى أنه أصبح لا ينام إلا وأحدنا ممسك بيده، وبعد أن استشرنا بعض الأصدقاء والاختصاصيين تذكرنا القصص التي كنا نقرأها له، فرجعنا وتصفحنا بعضها، ولكي لا أطيل عليكم دعوني أنقل لكم مقطعاً من قصة النبي هود، حيث يقول كاتب القصة:(وهبّت ريح صرصرة شديدة البرودة، فيها عذاب لهم.
وأخذت الريح تجري خلفهم في كل مكان حتى في البيوت والجبال والأماكن التي اختبأوا فيها، فإذا عثرت الريح على أحدهم أحاطت به وعصرته ثم مزّقت جسده وأخرجت روحه وقضت عليه...) وتقابل هذه الجملة صورة ذات خلفية مظلمة بها رؤوس طائرة وأناس تصرخ من الألم وأشجار ممزّقة.
وقس على ذلك باقي القصة وباقي القصص الأخرى، بل إن غلاف الكتاب - الذي يحوي قصة هود وصالح - رسمت عليه ناقة يخترق رقبتها رمح، يمسك بطرفه رجل شرير بشع الوجه، وفي الخلفية صورة لشيطان مخيف يرسل أشعة عليه.
أما قصص السيرة التي اشتريتها، والتي يدّعي كتابها بأنها مخصصة للأطفال، فإحداها تحوي بين دفتيها صوراً لمسلم يحمل سيفاً يقطر منه دماً، ويرتمي أمامه مجموعة من القتلى الكفّار الذين قضى الله عليهم بسيفه، ووفّقه لنصرة دينه (بالسيف) وبسفك الدماء.
وقصّة أخرى يقول في سياقها الكاتب على لسان مجموعة شباب وامرأة ساقطة:(يا له من شاب صالح، كم نتمنى أن نكون مثله. فسمعت حديثهم امرأة سيئة الخلق فقالت إنني أستطيع أن أجعله كغيره من الشباب عاكفا على اللهو والغناء. فقالوا لها ندفع لك ألف دينار إن فعلت. فأسرعت إلى كوخ الفتى وطرقت الباب بشدة.
فتح الشاب الباب فقال للمرأة ماذا تريدين، وهو مطأطئ رأسه. فقالت المرأة بنبرة ناعسة امتلأت بالخبث، غريبة أريد المبيت معك في هذا الكوخ... وبعد أن رفض الشاب، اختفت المرأة فترة من الزمن ثم عادت ومعها طفل. وعندما سئلت عنه قالت بأنه طفل ذلك الشاب صاحب الكوخ...).
يبلغ ابني من العمر أربع سنوات، وإذا استمر بقراءة هذه القصص فإنه سينتهي به المطاف إما بتفجير نفسه، لأن المسلم يجب أن يقاتل الكفار الذين لا يستحقون الحياة، أو أنه سيسلك طريقاً غير سوي - لا قدّر الله - لأنه تعرّف على أساليب الساقطات الملتوية في سلب الرجال إرادتهم وهو لم يبلغ الحلم بعد.
إن شغفنا بتعليم ابننا القراءة من الصغر نابع من حبّنا أنا وزوجتي للقراءة والاطلاع، أما بالنسبة لي فهو عهد أخذته على نفسي قبل سنتين عندما علمت بأن الطالب النرويجي يملك أكبر عدد من الكتب غير المدرسية في بيته مقارنة بباقي أطفال العالم.
حيث يصل عدد كتبه إلى 450 كتابا، فعاهدت نفسي على أن تتجاوز كتب ابني هذا الرقم بشرط أن يختار هو الكتب التي يحبها، واليوم تزيد عدد الكتب في مكتبته عن 500 كتاب على حد تقديري.
وشغفنا بقراءة قصة لأطفالنا قبل النوم نابع أيضاً من قناعتنا بأن القراءة في هذه السن هي وسيلة لتحفيز ذكائهم وبناء شخصياتهم، وهي أيضاً وسيلة للتواصل والحوار معهم.
في كل مرة أقرأ لابني قصة قبل النوم أراه يسافر بعينيه إلى بلاد العجائب، ليصنع عالماً خاصاً به، فيتعلم فنّ الإنصات - وهو فن يفتقده العرب كثيراً - ويتعلم أيضاً كيف يجعل من عالمه العجائبي هذا واضح الملامح، في رحلة ممتعة داخل آلة الزمن.
أريد لأبنائي أن يخرج منهم روائي عالمي يكتب عن قيم التسامح في الإسلام، وأن يحدث الناس عن أهمية التواصل الحضاري، وكيف أن الحب والإخلاص هو أساس التعامل بين الناس بغض النظر عن معتقداتهم وتوجهاتهم، وأن الأرض تتسع لنا جميعاً.
أطفالنا هم من سيحدد مصير العالم عندما يأتي عليهم الدور، وما يقرأونه اليوم سيحدد مصيرهم عندما يكبرون، فلا أقلّ من أن نقرأ لهم كل ليلة حكاية عن رجالٍ خرجوا من الصحراء، يحملون قيمها إلى العالم الذي أصبح منذ ذلك اليوم مكاناً أجمل للعيش.
باحث إماراتي