بغض النظر عن تباينات الاجتهادات والتقييمات بين متشائم ومتفائل، أو من يعتبره ليس أكثر من مظاهرة سياسية دولية حاشدة، ومن يرى أنه مجرد إشهار وإعلان بدء الانخراط في مفاوضات وخطوات عملية نحو إنجاز المصالحة التاريخية بين العرب وإسرائيل، فإن مؤتمر أنابوليس في ولاية ميريلاند الأميركية يوم السابع والعشرين من نوفمبر الماضي يشكل بداية مرحلة جديدة.

المشهد العام للمؤتمر الذي حضرته أكثر من أربعين دولة ومؤسسة عربية وإقليمية ودولية، من بينها ست عشر دولة عربية تشكل أغلبية عدد من الدول العربية، ذلك المشهد لا يعطي الانطباع بأن المؤتمر يشكل بحد ذاته محطة كبرى على طريق البحث عن السلام.

غير أن من السذاجة الاتكاء على ما تناقلته وسائل الإعلام فقط، إذ شهدت أروقة المؤتمر، جملة من اللقاءات، والاجتماعات وورشات عمل ثنائية وثلاثية وجماعية، من شأن ما دار فيها أن يقدم مؤشرات أخرى آثر من يديرون اللعبة أن تظل بعيدة عن الأضواء والكاميرات، وفضول الصحفيين.

وبالرغم من أن المشهد العام، اتخذ طابعاً احتفالياً تظاهرياً، اقتصر على إلقاء كلمات من قبل الرئيس بوش، والرئيس محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، تميزت بالتناقض، إلا أن ما جرى في أنابوليس من حيث كونه يعكس اهتماماً وحضوراً دولياً واسعاً.

ومن حيث طبيعة القضايا المطروحة، إنما يشكل نقلة في مستوى الاهتمام والجهد المبذول، إزاء منطقة صراع وقضية ظلت لفترة غير قصيرة محل إهمال وتجاهل المجتمع الدولي، اللهم إلا بما يلزم لإدارة الصراع وليس حله.

قبل المؤتمر كانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قد قامت بثماني زيارات للمنطقة، وخلال الفترة، وقعت ثمانية لقاءات قمة مع الرئيس عباس وأولمرت، أجرى الوفدان المفاوضان الفلسطيني والإسرائيلي اثنتي عشرة جلسة بدون أن يسفر كل ذلك، عن اتفاق على وثيقة إطار يذهب بها الطرفان إلى أنابوليس مما اضطرهما للاتفاق في واشنطن على ورقة تفاهمات جاءت عامة.

الورقة التي ألقاها الرئيس بوش في المؤتمر كاستهلال لخطابه تضمنت في الأساس الإعلان عن رغبة وإصرار الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على بدء مفاوضات الحل النهائي وفق خارطة الطريق والاتفاقيات والقرارات السابقة، الأمر الذي يرمي إلى الاستنتاج بأن خارطة الطريق ستكون المرجعية الأساسية وهو ما أكدته كلمتا بوش وأولمرت.

لعل أهم ما جاء في كلمة الرئيس بوش، يشكل في الجوهر الوجهة العامة للمفاوضات اللاحقة، فلقد أشار بوضوح إلى تطلع بلاده والمجتمع الدولي لتحقيق رؤية الدولتين، دولة ديمقراطية حرة فلسطينية والأخرى تشكل الوطن القومي للشعب اليهودي.

هذا الالتزام الذي أكده بوش أمام المؤتمر والعالم، يعيد إلى الأذهان خطابه في مدينة العقبة الأردنية بعد الإعلان عن خارطة الطريق، حين تبنى في ذلك الخطاب ما أراده شارون الذي طرح في حينه أربعة عشر تحفظاً على الخارطة كان شرط الاعتراف بدولة يهودية أبرزها.

كما أن خطاب الضمانات الذي قدمه بوش لشارون في 14/4/2004، تضمن أيضاً مثل هذا الالتزام، وذلك ربما أهم ما يتطلع الإسرائيليون لتحقيقه، ذلك أن القبول العربي والفلسطيني به سواء كشرط للمفاوضات أو نتيجة، من شأنه أن يمنح إسرائيل القدرة على شطب موضوع عودة اللاجئين الفلسطينيين، اعتباراً من أن المساومة تقضي من وجهة نظر إسرائيلية ضرورة حل مشكلة اللاجئين اليهود مقابل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

كما إن مثل هذا الموضوع يشكل خطراً حقيقياً يهدد وجود نحو مليون وربع المليون فلسطيني الموجودين على أرضهم المحتلة منذ عام 1948، وتقيم عليها إسرائيل دولتها بما يعني كارثة أخرى للفلسطينيين.

وفي حين طرح الرئيس عباس الموقف الفلسطيني التقليدي والمعروف، والذي يعكس تطلعاتهم وتمسكهم بحقوقهم إزاء إنهاء الاحتلال الذي وقع في عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وضمان حق عودة اللاجئين على أساس القرار الدولي 194، فإن أولمرت وعد بأن الأراضي المحتلة عام 67، ستشهد تغييراً كبيراً.

وأن الدولة الفلسطينية ستقوم على الأرض التي يتم الاتفاق عليها تفاوضياً، أولمرت أكد تمسكه بخارطة الطريق ورسالة الضمانات التي قدمها بوش لشارون عام 2004، كأساس ومرجعية للمفاوضات، ذلك أنه حين عبر عن تقديره الإيجابي للمبادرة العربية.

جاء ذلك في فقرة لاحقة، مكتفياً بالإشارة إلى أن المفاوضات ستعود إلى تلك المبادرة ولكن بعيداً عن كونها إحدى مرجعيات العملية التفاوضية. وإذا كان بوش قد اكتفى بإشارة سريعة إلى ضرورة تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية فإن هذا الموضوع شغل مساحة أوسع من خطاب أولمرت فيما بدا على أنها بالنسبة لإسرائيل قضية موازية من حيث الاهتمام بموضوع جوهر المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

عين إسرائيل وكل حواسها إذاً تتجه نحو تطبيع سريع غير مؤجل مع الدول العربية، التي يرى أولمرت أن عليها أن تسير في هذه الوجهة بالتوازي مع انطلاق واستمرار ما أسماه قطار السلام، الذي يبدأ على عجل تحركه ببدء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية من واشنطن وقبل مغادرة الوفدين المتفاوضين.

المنطقة إذاً أمام تحرك دولي وإقليمي كبير وهي على موعد مع الكثير من التطورات الهامة، فإضافة إلى تأكيد كل الأطراف على ضرورة وصول قطار السلام إلى محطته الأخيرة خلال العام القادم، والاتفاق على بعض آليات المتابعة والإشراف الذي تقوم به الولايات المتحدة أو الرباعية الدولية لضمان الاستمرار وتنفيذ الالتزامات، فإن هناك جهوداً أخرى قريبة في الوجهة ذاتها.

بعد أسابيع قليلة ينعقد بدعوة من الرئيس الفرنسي ساركوزي، مؤتمر دولي في باريس، يتخذ طابعاً اقتصادياً، ويستهدف حشد الإمكانيات المادية، لدعم المفاوضات، ولمساعدة السلطة على إعادة بناء وتقوية مؤسساتها، وإعادة بناء الاقتصاد الفلسطيني بما يرسي دعائم الدولة الفلسطينية الموعودة، ويؤهل الفلسطينيين للقيام بالالتزامات المترتبة عليهم.

وبعد باريس، تدعو موسكو لعقد مؤتمر آخر، لاستكمال ومتابعة الجهد الذي بدأ في أنابوليس، ومن بعده في باريس، بما يعني أن الجهد الدولي والرغبة في تغيير وجهة المنطقة.

ليس حصراً على أميركا التي قالت وزيرة خارجيتها إن تحقيق السلام في الشرق الأوسط يشكل مصلحة قومية أميركية بما يشير إلى طبيعة الدوافع التي تقف خلف هذا التحرك الاستراتيجي بعد سبع سنوات من إهمال قطار المفاوضات آخذ في التحرك على أكثر من مسار ومستوى، على أن أمامه الكثير من العقبات والصعوبات التي يشكك الكثيرون في إمكانية تجاوزها.

عدا اختلاف الرؤى والمصالح بشأن القضايا الصعبة والخطيرة المطروحة، فإن خلف أولمرت معارضة قوية داخل وخارج ائتلافه الحكومي، أما نظيره الرئيس عباس فخلفه انقسام عميق، وسيطرة كاملة لحركة حماس على قطاع غزة، ومعارضة قومية، تملك إمكانيات تعطيل حركة عجلات القطار..

إذا كانت مثل هذه العقبات وأكثر منها، تعترض الطريق وهي ليست غائبة عن الحسابات، فإن الإصرار على تحريك القطار يعني أن ثمة عمليات جراحية وتغييرات هامة من المتوقع أن تشهدها المنطقة، وربما تقتضي إسالة دماء كثيرة، غير أن كل ذلك، لا يضمن وصول القطار إلى محطته الأخيرة، خصوصاً وأن العقبة الإسرائيلية هي الأكبر والأخطر وأساس كل العقبات.

كاتب فلسطيني