لا شيء أقوى من حضور الوطن حينما يتجلى في المدى، ولا شيء يدغدغ الضلوع، أو يطوح بها ويثنيها إلا حينما يتغلغل صوته في المسامات، هذا المأوى الحميم المسكون بالأحلام وبتاريخ الأهل والأصحاب، المهد الذي روى تفتح البصر والبصيرة ولم يزل يروى الخطى منذ الوثبة الأولى والى هذا اليوم، بعد ملايين الخطوات على ترابه.

من القلب إلى الكتابات على جدران البيوت، اسمه وخارطته وألوان علمه، ثم طاولة الدرس وعلى سبورة الصف، وفي طابور الصباح مع التلاميذ والصحب شددنا أوتار حناجرنا وقومنا هياكلنا ونحن ننشد نشيده، نشيد الأحلام والرؤى، نقسم ان نبقى على عهده، وان نلتزم بالولاء له وان نفتديه بالأرواح.

وحينما أخضرت شواربنا وبانت تأثيرات لحانا استمعنا كثيرا إلى مقولات القادة والمعلمين وأولي الأمر، انتم رجال الوطن ومستقبله، وهكذا تغلغلت أنفاس الوطن أكثر فينا وصار نبضه هو الذي يحرك الصدور، كبرنا ولكن الوطن كان يكبر هو أيضا، اندفعنا إلى حلبة الصولات والجولات، نسابقه، فلفورة الشباب رعونتها، هيأنا صدورنا كمتاريس، ارتمينا فوق ترابه وأمواجه نستلهم من حبه البسالة والإقدام، وكنا مندفعين إلى آخر المنتهى.

وفي أول يوم من الوظيفة ومع أول خطوة إلى الحياة العملية والاندماج، تحولت تلك الدغدغات إلى شيء آخر، تلبستنا المسؤولية، صرنا ضمن عجلة النمو، صحت الضمائر على أهداف الوطن وأحلامه الكبيرة، صارت الكتابة أكثر مسؤولية وصار المعنى هو الوطن أولا وآخر، صارت الصفحات البيض خده وصار القلم نورا.

وحينما صار عندنا أطفال صغار وصرنا آباء اخذ الوطن شكله الآخر، صار ساحرا وملهما، صار أباً وأماً وصرنا معلمين نعلم أولى دروس التربية والتعليم،التربية الوطنية هذه التي تبدو كحاجة ملحة مثل أنفاس الهواء.

هذا وطني يا بني، هذا وطنك، هذا سلاحي، هذا سلاحك، اكتب حرفه الأول، تهج هنا حرفه الآخر. ها هي حدوده مرسومة على قلبي، انقشها أيضاً على قلبك. لون ترابه بالسلام، واقسم أن دمك لترابه ما حييت،عمره وشيد فيه وابذل ساعدك لأهلك وناسك.

هذا وطني يا بني، الآن ومن بعدي هو وصيتي.

نكبر نشيخ، نذهب، نرحل ونغيب، ولا يشيخ الوطن بل يزداد تغلغلا في الضلوع لا يرحل ولا يغيب بل هو الحاضر دوما في الغياب، وشوكته الحنين له في الغربة أو البعد اشد من وخز النصال.

mhalyan@albayan.ae