غداة نكبته الوطنية المروعة عام 1948، وفي سياق معطيات وظروف التيه وفقدان الإرادة والتبعثر، أثبت الشعب الفلسطيني عملياً بأن الإنسان هو كلمة السر في قضايا التقدم والعمران والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ندفع بهذه القناعة ونحن نستحضر صورة اللاجئين المعدمين وهم يدفعون أبناءهم إلى قطاع التعليم بحماسة مفرطة.
كما نستذكر مشهد الأبناء والأحفاد وقد أقبلوا على العملية التعليمية بهمة وتصميم لايتناسبان إطلاقاً وأحوالهم البائسة. وكانت النتيجة أن جاء حين أصبحت فيه نسبة المتعلمين الفلسطينيين تنافس أعلى معدلاتها عربياً وتقارن بمستويات عالمية.
لم يكن في الأمر معجزة. فالظاهرة مثلث أحد أوجه الاستجابة الفلسطينية لتحديات النكبة. لقد وجد الفلسطينيون أنفسهم في لحظة تاريخية لا تنسى بمعزل عن أي موارد بديلة؛ صفر اليدين إلا من إرادة الحياة. وكان التعليم مدخلا مناسبا لتحصيل مورد رزق سهل الحمل والاستخدام ويسمح بالإفلات من واقع اقتصادي مهين ومرير.
وشاءت تصاريف القدر أن يتبلور هذا الاعتقاد في مرحلة كانت المنطقة العربية الحاضنة للاجئين الفلسطينيين تتحرق فيها للنخبة المتعلمة التي تساعدها على ارتياد برامج التطوير والتنمية، ماوسع أمام المؤهلين الفلسطينيين فرص العمل والتوظيف في بيئة قومية وثقافية مواتية.
كأن شهية أبناء فلسطين للخروج من نفق حياتهم المظلم تعامدت مع واقع عربي مناسب. وإذا حسب للفلسطينيين حسن تعاملهم مع بعض تداعيات النكبة عبر قطاع التعليم، فإنه يحسب للمنطقة العربية رعايتها لهم في معاهدها العلمية طلاباً للعلم ثم معلمين وباحثين، لكن الذي يثير الحفيظة والأسى مؤخراً بروز مؤشرات سلبية تشي بأن حقل التعليم، أحد أكثر الإنجازات الفلسطينية تألقا، بات عرضة لأزمة مستعصية قد تدفع به إلى المجهول.
ففي الضفة وغزة والقدس، هناك انعكاسات وقائع التعطيل والتكدير التي تتعرض لها العملية التعليمية، سواء من جراء أوامر إغلاق المؤسسات بشكل مباشر أو عبر إحاطة سيرورة هذه العملية بمناخ من عدم الاطمئنان والقلق الدائم بفعل الاجتياحات والمداهمات الدورية للمدن والقرى والمخيمات وإقفال المعابر من سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
ولنا أن نعطف هذا المناخ غير المواتي على تداعيات انخراط الطلبة والأساتذة في معمعة النضال السياسي الوطني. الذي بلغ أوجه بين يدي فعاليات الانتفاضتين الأولى والثانية. وهنا ينبغي الاعتراف بكلفة هذه المشاركة على الحالة التعليمية الفلسطينية بعامة، فكثرة الإضرابات والمظاهر الاحتجاجية والأوضاع غير المستقرة، استتبعتها زيادة في أيام انقطاع الدراسة.
إلى ذلك، ثمة مشكلات ذات أثر مستقبلي ممتد تترتب على ارتفاع منسوب التسرب بين الطلاب، الذي بلغ في مواقيت بعينها نحو 50 في المئة بقطاع غزة، ولا سيما بين الفئة العمرية من الأطفال حتى السادسة. نحن هنا لا نتحدث عن انحدار مستوى الأداء التعليمي فقط وإنما أيضاً عن احتمال مواجهة جيل من الأميين ممن لم يلتحقوا بالمدارس أصلاً!.
على صعيد التعليم الجامعي، تتصل التعقيدات والقيود بأجواء الفوضى واللااستقرار وضعف التمويل، وتتعدى ذلك إلى ضعف القدرة الاستيعابية للجامعات الفلسطينية المحلية إزاء نحو خمسة وعشرين ألفاً من خريجي المرحلة الثانوية سنوياً. فهذه الجامعات لا تستطيع في أحسن الفروض استقبال أكثر من نصف هذا الرقم، الذي يعني إلقاء النصف الآخر إما إلى البطالة واليأس.
أو للبحث عن فرص للعمل يعز توفرها، أو إلى تلمس أسباب الهجرة على أبواب السفارات الأميركية والأوروبية. وفي التحليل النهائي يتعين على المجتمع الفلسطيني التهيؤ للحرمان من طاقة شابة يافعة، بوسعها أن تردفه بالكثير.
فرملة الانحدار في هذا الحقل عموماً، دون الحديث عن النهوض به مجدداً، تستلزم التصدي لقضايا شديدة الإلحاح .. مثل كف أيدي اسرائيل عن قطاع التعليم بالمعنى الشامل، والتوسع في الأبنية التعليمية لمواجهة زيادة الطلب عليها، وتوفير الأجهزة التعليمية المساعدة، وردف المناهج بما يجعلها مواكبة لحقائق العصر وحاجات مجتمع يتطلع لآفاق الاستقلال والتنمية الشاملة.
فضلاً عن إعادة تأهيل الهيئة التعليمية لملاءمة هذه الحقائق والحاجات. هذا ونحوه في ضوء موارد تمويلية مضغوطة لاترقى لتمويل حقل هو بطبيعته مجال للإنفاق بهدف الاستثمار طويل الأجل.
الحالة الفلسطينية على المستويين الرسمي والشعبي؛ السياسي والمدني، لا ينقصها الوعي بهذه الضرورات. وعند متابعة الجهود المبذولة على هذين المستويين نلاحظ أنها أخذت بمعالجة المشكلة التعليمية وفقاً لاستراتيجية «تقليل الخسائر».
وذلك بعد الإيمان بصعوبة التوفيق بين مقتضيات النضال الوطني ومحدداته وبين الحفاظ على المنظومة التعليمية والوفاء باحتياجاتها. وفي سياق كهذا لا ينبغي التقليل من شأن محاولات استحداث مداخل وآليات إبداعية لتحقيق المعادلة المطلوبة. كاللجوء إلى ما يعرف بالتعليم الشعبي والتعليم الذاتي والتعليم عن بعد والتآخي بين جامعات وطنية وأخرى عربية.
هذا علاوة على استحثاث الأطر التعليمية العربية والإسلامية لمد يد العون باستقبال المبعوثين والوفود الطلابية من أبناء فلسطين، بما يستجيب لهاجس تعميد الاستقلال الفلسطيني وسد النقص في بعض التخصصات والفروع العلمية بالمؤسسات الفلسطينية.
على أن هذه الإبداعات ومثيلاتها تبقى أقل شأناً من الاضطلاع بمعالجة جذرية لأمراض العملية التعليمية في فلسطين العتيدة التي تتفاقم بمرور الوقت. فالتعليم قطاع شديد الحساسية لعامل الزمن بحيث لا تحتمل مشاكله المسكنات ولا التأجيل.
ويعرف أهل الذكر أن استئصال بعض هذه الأمراض، كتفشي الأمية، يقتضي وقتاً وجهداً وموارد جبارة، وأن شفاء المجتمع المعني منها قد لا يحدث وبشق الأنفس إلا بشكل جزئي.
في تقديرنا أن إبراء المجتمع الفلسطيني من أمراض العملية التعليمية وعيوبها الجوهرية لن يتم إلا في كنف الاستقلال والتحرر الوطني. لكننا نزعم في الوقت ذاته بأن عددا من هذه الأمراض والعيوب لا يتعلق بجدل الاستعمار والتحرير، قدر تعلقه ببعض المقاربات والتصرفات الوطنية الذاتية، لا سيما المنسوبة منها إلى القوى السياسية والحزبية.
لنتأمل مثلاً كيف نقلت هذه القوى مماحكاتها ومنازعاتها البينية الأيديولوجية والسياسية إلى مؤسسات التعليم، مثيرة الشقاق والتباغض داخل الوسط الطلابي والجامعي. لا يستطيع أحد إنكار الدور الوطني الرائد الذي اضطلعت به المدارس والجامعات والمعاهد في غمرة النضال التحرري. كما أن عاقلاً لا يسعه النصح بعزل القوى الطلابية عن الفعل السياسي.
بيد أن هذا الانغماس ربما انحرف عن جادة الصواب محولاً المؤسسات التربوية والتعليمية، الجامعية منها بخاصة، إلى ساحة للتشرذم والتشظي. فعندئذ يكون الثمن المدفوع من فعالية العملية التعليمية وانتظامها وربما من نوعيتها أيضاً.
وعليه، يصح أن ندرج ضرورة تحييد المؤسسات التعليمية ما أمكن عن عمليات الحشد والتعبئة والتثقيف المثير للإحن والتباغض الحزبي، واستبدال ذلك بإغناء العقل الجمعي الطلابي بالقواسم الوطنية المشتركة.
هذا مع التركيز على اعتبار أن الإثراء النوعي لمساقات التعليم وإنتاج النخب العملية المميزة هدف في حد ذاته، يقرب زمن الانعتاق الوطني ويرفع شأن المجتمع الفلسطيني ويرجح كفته في إطار الصراع الاجتماعي الممتد مع الصهيونية وكيانها السياسي وبقية الذين يريدون الفلسطينيين مجرد حطابين وسقائين!.
كاتب وأكاديمي فلسطيني