كل ما يحدث على الساحة الداخلية في روسيا يوضح أن الرئيس بوتين باق في دائرة صنع القرار السياسي بعد انتهاء فترة ولايته الأخيرة في مارس القادم والتي لا يحق له الترشح لفترة ثالثة بنص الدستور، وأكثر من ذلك يتوقع الكثيرون أن بوتين سيكون الرئيس القادم بأي طريقة من الطرق، ولقد طرح خلال هذا العام العديد من السيناريوهات لبقاء بوتين في الرئاسة.
منها مشروع قرار طرح في البرلمان الروسي في أبريل الماضي حول إمكانية تعديل الدستور ليسمح بفترة رئاسة ثالثة للرئيس بوتين أو بمد فترة الرئاسة الحالية إلى سبع سنوات بدلا من أربع، ورغم القبول الكبير لهذا المشروع إلا أن الرئيس بوتين رفض هذا الطرح لأنه يرفض تماما أي تعديل للدستور من أجله.
وقال بوتين «لا يجوز لدولة كبيرة مثل روسيا أن يكون شخص معين في حد ذاته ضماناً لأمنها واستقرارها، والالتزام بالدستور أفضل ضمانة للاستقرار»، وتشكلت في يونيو الماضي حركة تحت اسم «أنصار بوتين» تحت شعار «من أجل استمرار النهج البوتيني».
وجمع أنصار هذه الحركة ثلاثين مليونا تحت شعار «من أجل بوتين زعيما وطنيا»، ويقول أصحاب التوقيعات إنهم لا يهمهم ما هو المنصب الذي سيشغله بوتين بعد الانتخابات ولكن ما يهمهم هو أن يبقى قائدا للبلاد.
سيناريو آخر طرح أكثر من مرة حول إعلان وحدة فيدرالية بين روسيا وبيلا روسيا مما يترتب عليه تغيير شكل الدولة وتغيير الدستور أيضا، وقد رحب رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشنكا بالمشروع أكثر من مرة ورشح الرئيس بوتين لرئاسة الدولة الفيدرالية الجديدة على أن يبقى هو رئيسا محليا لبيلاروسيا، ولكن هذا المقترح استبعد في الآونة الأخيرة بعد أزمة توريد الغاز الروسي لبيلاروسيا في مطلع الصيف الماضي.
والواقع أن فكرة الاتحاد بين البلدين مطروحة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ومتوافر لها كل المقومات، فالشعب واحد والدين واللغة والثقافة والعادات والتقاليد واحدة، ويبقى القرار السياسي الذي لا يعرف أحد بالضبط ماذا يعطله.
آخر السيناريوهات لبقاء بوتين طرح مؤخرا من قبل اتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس يقضي باستغلال ثغرة واضحة موجودة في الدستور الذي ينص على عدم أحقية الرئيس الذي أمضى فترتي رئاسة «كاملتين» في الترشح لفترة رئاسة ثالثة مباشرة، والمقترح أن يقدم الرئيس بوتين استقالته بعد فوز قائمة حزبه في الانتخابات النيابية التي ستجرى في الثاني من ديسمبر وتحقق أغلبية ساحقة، وقد وافق بوتين أن يخوض الانتخابات على رأس قائمة حزبه.
ويحق له أن يقدم استقالته من منصب الرئاسة باعتباره سيكون زعيم الأغلبية البرلمانية، ويتولى رئيس الحكومة فيكتور زوبكوف إدارة شؤون الحكم خلال الأشهر الثلاثة الباقية حتى موعد الانتخابات الرئاسية في مارس، وبهذا لا يكون بوتين قد أكمل فترة رئاسته الثانية ولا يخضع في هذه الحالة لنص الدستور الذي يحرمه من الترشح للرئاسة.
ويرى البعض أن هذا الاقتراح لا يعتبر تحايلا على الدستور لأن بوتين المضمون فوزه في الانتخابات البرلمانية لا يجوز له أن يكون عضوا في البرلمان ورئيسا للدولة في نفس الوقت، ووجوده على رأس قائمة حزبه «روسيا الموحدة» في الانتخابات النيابية أمر ضروري وواجب والتزام تجاه الحزب الذي صنعه بوتين بنفسه ويضمن الحصول على الأغلبية في البرلمان.
البعض يعتقد أن هذا هو السيناريو المعد فعلا لبقاء بوتين في الرئاسة، خاصة بعد حماس الرئيس بوتين لخوض الانتخابات النيابية على رأس قائمة حزبه، والواقع أن هذه ليست ثغرة في الدستور كما يعتقد البعض لأنها لا يمكن استغلالها إلا في حالة واحدة عندما يكون الرئيس مضمون فوزه في انتخابات الرئاسة القادمة، وهو الأمر المتوفر لبوتين ».
أيا كانت السيناريوهات المحتملة فإنها جميعها تعكس بوضوح مدى شعبية الرئيس بوتين الذي حقق لروسيا خلال فترتي رئاسته ما يشبه المعجزات وجعل من نفسه رمزا وطنيا حيا أمام الشعب الروسي الذي التف حوله وبات يخشى استبداله برئيس آخر لا يسير على نفس النهج، كما أن البعض يرى أنه لا أحد غير بوتين يصلح لإدارة الأمور في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العالم الآن.
والتي تستهدف فيها القوى الأخرى روسيا من أجل محاصرتها وإضعافها، ومن هؤلاء الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف الذي صرح أكثر من مرة بأنه في ظل الظروف والتحديات الصعبة التي تواجه روسيا الآن لابد من بقاء بوتين في الرئاسة بأية وسيلة حتى ولو بتعديل الدستور الذي لا يجب أن يكون عائقا ضد مصلحة الأمة، و لا يجوز لبوتين أن يرفض لأن هذا تكليف من الأمة.
المعارضة الروسية المتمثلة في الشيوعيين واليمين الديمقراطي أعلنوا أنهم سيركزون جهودهم على الانتخابات البرلمانية سعيا للحصول على مقاعد في البرلمان تضمن بقاءهم في دائرة القرار، أما انتخابات الرئاسة فلم يعلن أحد من المعارضة أو من أية جهة أنه سيخوضها، وهذه أول مرة يحدث هذا الأمر في روسيا التي خاضت أربع تجارب لانتخابات الرئاسة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي حيث كان المنافسون كثيرين حتى في آخر انتخابات في عام 2004 والتي فاز فيها بوتين بأغلبية تعدت 65% من الأصوات.
الدوائر الغربية في واشنطن وأوروبا تتعامل مع الانتخابات النيابية والرئاسية في روسيا بشيء من السلبية وصلت لدرجة إعلان منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أنها لن ترسل مراقبين للانتخابات في روسيا.
ويقول إيجور بوريسوف نائب رئيس لجنة الانتخابات في روسيا «الأوروبيون بامتناعهم عن الحضور لمراقبة الانتخابات إنما يعبرون عن عدم رضاهم عن نتائجها المتوقعة مسبقا والتي كانوا يتمنون تغييرها، ولكن لا حيلة لهم في ذلك ولهذا يمتنعون في محاولة لإضفاء صبغة سلبية على سير الانتخابات في روسيا».
ومن جانبها ردا على هذا الموقف الأوروبي أعلنت موسكو توقفها عن التعامل مع منظمة الأمن والتعاون الأوروبية باعتبارها منظمة خاضعة لأهداف سياسية لا تخدم مصالح المجتمعات الأوروبية بقدر ما تخدم مصالح جهات أخرى من خارج أوروبا، ولكن على ما يبدو أن المنظمة تراجعت عن موقفها وأعلنت مؤخرا أنها سترسل مراقبيها للانتخابات في روسيا.
جامعة سيبيريا