لا أقصد هنا بضعف الدولة هو انتزاع الكثير من صلاحيات حكومتها المركزية لصالح حكومات أقاليم تتكون منها في اتحاد فيدرالي أو كونفيدرالي، أو لكونها دولة صغيرة تجاورها دول أخرى أكبر منها حجماً وأشد بأساً، ولا أقصد .
بضعف الدولة ضآلة ميزانيتها السنوية وقلة دخل الفرد فيها، ولا أقصد كذلك هامشية وجودها في الساحة الإقليمية أو الدولية، أو انعدام إسهامها في رفد الحضارة الإنسانية، إنما أقصد بضعف الدولة هو تفشي الفساد فيها وتراجع قدرات مؤسساتها على توفير الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية.
وتراجع قدراتها على حمايته وضمان أمنه وسلامته وضمان تمتعه بحقوقه وحرياته الدستورية، وضعف قدراتها في توفير فرص العمل بشكل متكافئ للجميع، وضعف قدراتها في بسط سلطة القوانين والقرارات التي تسهل الحياة اليومية للمواطن وتجعله مطمئناً على غده وغد عائلته.
في دولة ضعيفة تتمتع بهذه المواصفات يضطر الفرد إلى أحد أمرين:
أولهما: الهجرة إلى الخارج وتَحمل كل ما يترتب على ذلك من خسائر مادية ومعاناة نفسية بسبب ترك الوطن والتي قد تنسحب تأثيراتها على الجيل اللاحق إذا طال زمن هذه الهجرة. ويلجأ إلى هذا الحل عادة قلة من الناس ميسوري الحال.
ثانيهما: التقهقر نحو الوراء بحثاً عن الوسائل التي تضمن له الحصول على بعض ما يفتقده في ظل دولته الضعيفة، أي العودة إلى علاقات ما قبل نشوئها. وهذا في الحقيقة ارتداد اختياري في جميع النواحي ذات الصلة بحياة الإنسان.
سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وهزيمة ما بعدها هزيمة. فالبحث عن انتماء معين ورثه عن الأسلاف مثل العِرق أو الدين أو المذهب أو القبيلة أو المنطقة أو غير ذلك للتمترس خلفه اتقاء لمخاطر ما كان له أن يواجهها في ظل ظروف طبيعية تتمتع فيها الدولة بالهيبة، هو خسارة للكثير من الحقوق المدنية التي اكتسبها في ظل وجود هذه الدولة.
ووضع كهذا هو أحد المؤشرات المهمة على بداية تفكك الدولة وتحللها إلى كيانات أو تجمعات صغيرة الأهمية حتى لو كانت كبيرة العدد. وعند حدوث ذلك تنسحب تأثيراتها على قضايا أخرى تخص حياة الفرد لا مفر له من قبولها.
حتى لو لم يكن راغباً في ذلك. عليه في هذه الحالة الانتقال إلى منظومة قيم أخرى قد تكون مرجعياتها عرقية أو دينية أو مذهبية أو قبلية أو مناطقية، أو بتعبير آخر منظومات قيم غريبة عنه لم يألفها من قبل، ربما ترجع إلى أجيال سبقته في عصر ما قبل نشوء الدولة. وهي منظومات قيم تتناسب مع طبيعة مجتمع خلفه وراء ظهره بعد أن دارت عجلة الزمن وفرضت قيم وسلوكيات مجتمع المدينة الذي تراجعت فيه كثيراً قوة التقاليد والأعراف التي سادت قبل ذاك.
والعودة إلى علاقات ما قبل الدولة تُفكك المجتمع وتشرذمه، وهي إذ تعمل على ضمان الحصول على بعض ما افتقده الفرد إلا أنها تسلب منه الكثير من الذي كسبه بنشوء الدولة في ظل القوانين المدنية. فالعلاقات، على مختلف الأصعدة، في مجتمع ما قبل الدولة مجحفة بحق غالبية الأفراد، ولعل أكثر من يعاني من هذه العودة هي المرأة حين تفقد الحقوق المدنية التي ضمنتها لها الدولة.
ونزعة الارتداد هذه يترتب عليها، وبشكل طبيعي، ظهور التجمعات المسلحة التي تأتمر بأوامر من يمتلك موقع الزعامة عرقياً أو دينياً أو مذهبياً أو قبلياً أو مناطقياً، حيث تتحول مسؤولية حماية الأفراد ومناطقهم وممتلكاتهم إلى أيدي هذه الجماعات التي تتحرك في أغلب الأحيان حسب مصالح زعاماتها، فتنزع عن الدولة سلطتها وتفقدها هيبتها.
وقد تتوزع ولاءات هذه الزعامات إلى جهات مختلفة عند قيامها ببناء صلات أو تحالفات مع بعض دول الجوار، ويترافق مع نزعة الارتداد هذه بداية انعزال الفرد والملة التي ينتمي إليها عن الآخرين، وبداية انفصال سيكولوجي عن المجتمع، وعُزلة عن التفكير الجمعي الذي تكمن خلفه الهوية الأكبر، هوية الانتماء إلى الوطن.
في سياق كهذا نتناول الدولة العراقية الجديدة التي تمر منذ ما يقرب من خمس سنوات في حالة من الضعف لم يشهدها العراق في تأريخه، ويشهد مجتمعه انقسامات خطيرة وتتخندق قواه الفاعلة القادرة على استقطاب الجماهير وقيادتها في ثلاثة خنادق رغم ان كل خندق فيه ما فيه من التناقضات والاختلافات. ولكل من هذه الخنادق وجود شرعي !!، بشكل ما، خلقته أجواء غير شرعية وجد معظم العراقيون أنفسهم ضحايا لها.
ضعف الدولة العراقية الجديدة حالة استثنائية لا يمكن أن تستمر لفترة طويلة، وهو مقدمة للتفكك أو الدخول في احتراب داخلي يتخذ في النهاية أحد المسارات المتاحة والمحتملة حسب طبيعة الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية. والبديل الوحيد لاحتواء ذلك ليس سهلاً، فهو يتطلب مضاعفة فرص النجاح لمشروع المصالحة الوطنية والابتعاد عن التخندق خارج خيمة الوطن، مما قد لا يرضي البعض من صناع القرار ممن يرون غير ما نرى.
تأسست الدولة العراقية الجديدة في التاسع من أبريل عام 2003 بعد حرب خاطفة لم تستمر أكثر من ثلاثة أسابيع سمحت الولايات المتحدة في نهايتها بتفكيك كامل لمؤسسات ومرافق الدولة العراقية القائمة، فأباحت عمليات التدمير والسلب والنهب والحرق التي جرت بطريقة وكثافة ما كان معظم العراقيين يتصورون بأن بعض مواطنيهم على هذه الدرجة من الهمجية والتعطش لتدمير بنية بلدهم.
وكان أخطر ما جرى هو أن القوات الأميركية تركت مخازن السلاح التابعة للجيش العراقي السابق دون حماية، فأصبحت عرضة للسلب والنهب مما وفر أدوات جاهزة ومجانية للصدامات التي حصلت لاحقاً.
ويتعرض العراق الجديد منذ الأيام الأولى للتدخل السافر في شؤونه الداخلية من قبل بعض دول الجوار التي ترى أن أمنها القومي يكمن في ضعف هذا الجار الذي أضعف نفسه بحروب عبثية على مدى عقدين من الزمن.
فهي قد قامت وتقوم بدعم كل ما يزعزع الأمن في ربوعه ويزيد الفرقة بين مكوناته ويعمق الشرخ الذي أوجدته سياسات خاطئة أسستها الإدارة الأميركية وانتهجتها أقلية ضئيلة وعمقتها مصالح من لم يتمتع يوماً بحضور جماهيري حقيقي في الساحة السياسية العراقية، وهكذا تضافرت جهود دول عديدة.
دون تخطيط مسبق، في صياغة حالة الضعف للدولة العراقية الجديدة المهيأة للتفكك، تحت ضغوط تناقضاتها الداخلية من جهة، وبسبب عدم قدرتها على الدفاع عن نفسها أمام أطماع بعض الدول المجاورة لها من جهة أخرى.
ويبدو لمن يتابع الشأن العراقي أن حالة الضعف العراقي هذه ليست نتاج أوضاع وسياسات عشوائية أو مفردات أحداث لم يسبق التنبؤ بنتائجها، خاصة ونحن نشهد الخاتمة التي لا مفر من الانحدار إليها، وهي حاجة العراق، من أجل البقاء، إلى حماية دولة أخرى دون اعتراضات تُذكر من قبل غالبية الأحزاب والكتل المنخرطة في العملية السياسية.
فقد شهدنا في السادس والعشرين من الشهر الجاري كلاً من الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء العراقي يوقعان في المؤتمر الذي عُقد عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، اتفاقية أسمياها مجموعة من المبادئ غير الملزمة تمهد لبقاء عسكري أميركي في العراق لأمد طويل يجري التفاوض بشأن تفصيلاته في النصف الأول من العام المقبل، وتتوزع هذه المبادئ في ثلاثة محاور: سياسية واقتصادية وأمنية، أي كل ما يخص الشأن العراقي.
وقد عقب مستشار الرئيس بوش للشؤون العراقية والأفغانية الجنرال دوغلاس لوت على الوثيقة الموقعة قائلاً «إنها وثيقة مهمة تشكل إطاراً للعلاقات الاستراتيجية الناشئة مع العراق».
وفي معرض رده عن سؤال حول احتمال إقامة قواعد عسكرية أميركية دائمة في العراق، قال لوت «هذا بعد آخر من مواصلة الدعم الأميركي للحكومة العراقية، وسيكون بكل تأكيد بنداً رئيسياً في المفاوضات العام المقبل».
كاتب عراقي