يضطر المرء أحيانا إلى الكتابة عن مواضيع يراها شخصيا مما لا يجب الكتابة عنه، أو الخوض فيه، لأنها من بديهيات الأمور التي يجب أن نكون قد تجاوزناها منذ زمن، ولا نحتاج إلى طرحها على طاولة النقاش، وإبداء الآراء فيها، خصوصاً إن كانت مما لا يختلف فيه اثنان أساسا.

وعلى الرغم من أن الأمور التي سأذكرها ضمن سطوري هذه ليست مما يمكن تعميمه على جميع أفراد المجتمع ومؤسساته بسهولة، إلا أنها أيضا ليست مما يمكن القول إنها تمثل حالات فردية، ولا تشكل ظاهرة تستحق التوقف عندها طويلا، ومعرفة أسباب وجودها المتأصل بيننا، على الرغم من سعينا الحثيث نحو العالم الجميل الذي نريد أن نتبوأ فيه مكانة مرموقة تليق بإنجازاتنا الأسطورية قياسا إلى عامل الزمن.

سأبدأ أولاً بالكلام على ظاهرة الالتزام بالمواعيد التي أصبحت من المواضيع المستهلكة جدا، فأنا أذكر أن هذا الموضوع كان يُطرح في كثير من الصحف والمجلات منذ أن كنت طالبة على مقاعد الدراسة حتى اليوم، وعلى الرغم من هذا لا نزال نجد بيننا من لا يعي معنى الالتزام بالموعد، ولا يهتم بأن يتأخر على موعده يضربه مع شخص ربما لديه الكثير من الأعمال التي يجب عليه الانتهاء منها، ولكنه أجلها وعطلها كي يلتزم بموعده مع هذا الشخص.

المشكلة أن كثيرين لا يبالون إن تأخروا على شخص ينتظرهم زمنا يطول أو يقصر، فلا يقومون بالاتصال به، ولا يعتذرون عن ذلك بأسباب مقبولة ومنطقية، وكأن على الآخرين انتظارهم حتى يفرغوا لهم، ليأتوا حين تسمح لهم ظروفهم بذلك، ضاربين عرض الحائط بالموعد المحدد، وبالشخص الذي قضى وقته في الانتظار.

هذا طبعا في حالة أن يصل الشخص متأخرا، وهنا يختلف الوضع بحسب مدة التأخر. لكن توجد حالات أخرى لا يحضر الشخص فيها أساسا، ولا يعتذر مسبقا..

إنه ببساطة لا يحضر فقط. أذكر أن شخصا أخبرني أنه كان على موعد مع شخص آخر، وقد حُدد الموعد قبل وقته بأيام ثلاثة أو أربعة، وفي الوقت المناسب، خرج الأول من منزله باتجاه المكان المحدد، ليصل قبل الموعد بوقت كاف، فوصل مبكرا أكثر مما يجب، فاضطر للانتظار حتى الساعة المتفق عليها.

وجاءت الساعة، ولم يحضر الطرف الثاني، فانتظره ربع ساعة، ولكنه لم يظهر، ولم يتصل، فاتصل به، ولكنه لم يجب. انتظر عشر دقائق أخرى، ثم أعاد الاتصال، فأجابه الشخص الثاني «المتأخر» معتذرا بعذر لم ينجح في حبك تفاصيله، لأنه انكشف بعد ذلك، ولكنه في تلك المكالمة لم يكلف نفسه عناء الاعتذار عن عدم قدرته على الحضور.

وتأجيل الموعد لوقت آخر، وفضل أن يترك الشخص الأول منتظرا، على أمل أن ينتهي مما هو فيه «اضطرارا»، ويلحق به، وانتهت المكالمة، وحين طال انتظار الشخص الأول، اتصل ليخبره بأنه مضطر إلى الذهاب، لأنه تعب من الانتظار، فما كان من الشخص الثاني إلا أن رحب بالفكرة، وقال له إن هذا أفضل حل، لأنه لا يزال مشغولا!

سنجد من هذا الموقف عشرات النسخ، بل مئات النسخ دون مبالغة، قد تجري بين أفراد، كما في المثال السابق، أو بين أحد الأفراد ومؤسسة من المؤسسات، أو بين مؤسستين رسميتين.

كما حدث مؤخرا، حيث أرسلت إحدى المؤسسات إعلانا عن ندوة تقيمها في أحد المواضيع المهمة داعية مؤسسة أخرى للمشاركة معها في محاورها المختلفة، ومع أن المؤسسة الثانية رشحت شخصين لتمثيلها في تلك الندوة ـ بناء على الدعوة التي وصلتها ـ إلا أن المؤسسة الأولى ألغت ندوتها دون أن تخطر الأولى بذلك.

ولولا أن أحد المشاركين اهتم واتصل بالمؤسسة التي تزمع إقامة الندوة ليتأكد من الموعد وليعرف الموقع بالضبط قبل الموعد بيومين، واكتشف بعد ذلك ببرودة شديدة من قِبَل الموظفات أن الندوة قد أُلغيت ـ دون إبداء أسباب جادة ـ ، لكان تكلف عناء الانتقال من إمارة إلى أخرى، لحضور ندوة لم يكن لها وجود إلا على الورق.

إن الإشكالية هنا هي أن تلك «الأخطاء» الفردية انتقلت من خلال سلوكيات الأفراد إلى المؤسسات، وأصبحت اللا مبالاة، وعدم الاهتمام بأوقات الآخرين تكاد تكون أمرا طبيعيا يحدث لنا كل يوم، مع أن احترام المواعيد ينبع أساسا من احترام الإنسان لذاته، ومن احترامه للآخرين المحيطين به، لذلك أرى أنه من الواجب علينا أن نهتم بتنبيه بعضنا إلى هذه الأمور التي تبدو صغيرة في أعين بعضنا، ولكنها كبيرة جدا في ميزان الذوق والأخلاق.

الأمر الآخر الذي أود التكلم عليه هو سوء معاملة بين بعض الجهات لعملائها، وهي ظاهرة لها وجود دائم في كل زمان ومكان، ولكني ألاحظ في الفترة الأخيرة تناميها على نحو ملحوظ؛ فقد تعاملت مؤخرا مع مكتب طيران معروف في المدينة التي أقطنها، وكان موظف الحجز - آسيوي الجنسية ـ يتعامل معي باستعلاء ظاهر، وكأنني أتسول منه تذكرة ولا أشتريها بمقابلٍ مالي.

وحين لجأت إلى الشخص المسؤول لأقدم شكواي ضد هذا الموظف، ما كان منه إلا أن تهرب من الأمر تماما بكلمات لا تسمن ولا تغني من جوع، وحين أردت معرفة المسؤول عن المكتب نفسه لأقدم الشكوى إليه، تكاتفوا حول بعضهم، وكأنها طريقتهم في ضمان عدم وصول شكوى ضد أي منهم إلى الإدارة العليا.

سوء المعاملة نفسه حدث لأحد الأخوة الذي ذكر أنه اتصل بشركة طيران معروفة، وحجز لخادمته، ثم اتصلت به موظفة من المكتب الرئيسي الشركة نفسها، وأخبرته أن الموعد الذي أُعطي إليه لدفع ثمن التذكرة خاطئ، وأن الموعد الصحيح قبل ذلك بأربع وعشرين ساعة، ولأنها كانت تتكلم بتعجرف لم يستطع أن يفهم منها كيف حدث ذلك اللبس.

وسألها: كيف يعطيه الموظف في إمارته موعدا، وتتصل هي لتغير ذلك الموعد، فما كان منها إلا أن قالت إن الأمور تسير بهذه الطريقة ولو كان يريد الشكوى فبإمكانه التقدم بها ولكن الموعد في جميع الأحوال سيتغير بحسب ما أخبرته، وأنه لو تم على وضعه الأصلي لما كانت «أضاعت وقتها» في الاتصال به، فما كان منه إلا أن قال لها إنها هي التي تضيع وقته.

وأنه مضطر لإنهاء المكالمة معها والاتصال بمسؤولها للشكوى على أسلوبها غير اللائق مع العملاء، وفعل ذلك مع أنه لا يعرف إن كان بنتيجة أو دون نتيجة، لكنه فعل ما كان يجب عليه أن يفعله.

أعتقد أن التصرف الأمثل في مثل هذه الحالات هي التعبير عن رفض هذه السلوكيات التي تنم عن عدم احترام لنا، بوصفنا أفرادا في هذا المجتمع، في دولة تكفل للجميع أن ينعموا بقدر كاف من الاحترام المتبادل فيما بينهم البين.

وفيما بين الأفراد والمؤسسات، أو الشركات الموجودة على أرض الدولة لتقديم الخدمات للمواطنين والمقيمين، وليس لانتقاصهم أو التقليل من شأنهم.

ويهمني أن أؤكد أن هذه السلوكيات لا تمثل حالات فردية أو شاذة، فمجالسنا تضج بأصوات التذمر والشكوى من سوء المعاملة التي يلقاها المواطن والمقيم على حد سواء من قِبَل بعض الشركات والمؤسسات التجارية التي تعتقد أنها تمتلك مصير الناس بيديها، وأن الجميع محتاجون إليها.

وهو ما لا يمكن القبول به بأي حال من الأحوال، وأقل ما يجب علينا فعله هو أن يكون لنا موقف واحد وموحد تجاه مثل هذه الجهات، حتى تعلم أننا لا نحتاج إليها، ولكنها هي أيضًا تحتاج إلينا، وأن الحياة لا تسير إلا بحسن التعامل والتعاون بين جميع الأطراف.

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com