بعد سبع سنوات طويلة من تلكؤ مسيرة السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية، يبدو أن إدارة جورج دبليو بوش تريد أن تطلق مبادرة تستحق هذه التسمية. وقد تعددت اللقاءات في سبيل هذا اللقاء الذي سينعقد، كما يفترض، قبل آخر الشهر الجاري. ومن الواضح أن كوندوليزا رايس لا توفر وقتها ولا طاقتها من اجل تنفيذه.
ويعتقد أنها قد فرضت أصلاً على القادة الإسرائيليين فكرة اللقاء نفسها، ذلك انّهم يعترضون تقليديا على كل ما منه أن يشابه من قريب أو من بعيد مؤتمرا دوليا حقيقيا.
لكن حكومة ايهود أولمرت لا يمكنها أن ترفض بكل بساطة مثل هذه المبادرة، ومع ذلك كلّفت نفسها عناء تدقيق القول إن الأمر لا يتعلّق من وجهة نظرها بمؤتمر حقيقي للسلام، وإنما فقط بنقطة انطلاق هدفها تحديد إطار العلاقات الثنائية الإسرائيلية ـ الفلسطينية.
كما أن مسؤولي الدولة العبرية يريدون أن يقتصر هدف انابوليس على إعداد وثيقة مشتركة توافق عليها المجموعة الدولية والدول العربية التي تتمنى الوصول إلى حل سلمي مع إسرائيل. تم ان الإرادة الإسرائيلية باختزال اللقاء إلى «صورة عائلية» واضحة للعيان، وذلك دون التطرق إلى عمق الملفات.
ولهذا السبب صرّح عمرو موسى انه ينبغي على إسرائيل أن تكون مستعدة لـ «دفع ثمن السلام» وأشار سعود الفيصل من جهته انه ينبغي على الدولة العبرية أن «تثبت جدّيتها» وطالب بتوقيف بناء الجدار الفاصل وحركة التوطين قبل مؤتمر انابوليس.
وقدّر محمود عباس انه قد حان وقت معالجة المسائل الأكثر إلحاحاً وإعلان دولة فلسطينية قابلة للحياة مع القدس الشرقية عاصمة لها، على أن تعيش بسلام وأمان إلى جانب إسرائيل. هكذا يبدو ان التباين بين المقاربتين كبير إلى درجة جعل الوصول إلى اتفاق باطل سلفا.
لا شك أن القادة الإسرائيليين لا يستبعدون انه سيكون عليهم ذات يوم، ولو رمزيا، الاعتراف بدولة فلسطينية. هذا المنظور يثير قلقهم المستمر منذ عام 1967 وبدرجة اكبر منذ اتفاقيات أوسلو 1993.
ولذلك يدخلون في سباق محموم من اجل تعزيز الاستيطان الذي يرمي إلى تجزئة وتقطيع أوصال المنطقة الصغيرة التي تمثلها الضفة الغربية وبالتالي خلق وضع لا يمكن الرجوع عنه.
هكذا أمر الجيش الإسرائيلي يوم 31 أكتوبر بمصادرة أراض حول أربع قرى فلسطينية بغية توسيع كبير للمستوطنات شرقي القدس، وذلك بهدف خلق استمرارية أرضية إسرائيلية بين مستعمرة معال ادوميم ونهر الأردن.
وبنفس الوقت قطع الضفة الغربية إلى شطرين. كذلك شرعت تل أبيب، متجاهلة القانون الدولي، بعملية جديدة للعقاب الجماعي عبر الإعلان أن غزة «كيان معاد» وتعزيز الحصار عبر تقليص كبير للكهرباء والمحروقات.
وما يزيد من خطورة الوضع هو أن القرارات الخاصة بمصادرة الأراضي جاءت في الوقت الذي يلتقي فيه المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون من اجل التحضير لاجتماع انابوليس.
المناورة واضحة وهي أن السلطات الإسرائيلية تسعى إلى تسريع واقع الأمر القائم قبل الاجتماع المعني وبحيث يتم الانطلاق من الوضع الذي جرى خلقه أثناء المفاوضات.
هذه الطريقة تشكل جزءاً من إجراءات أوسع تتمثّل لدى إسرائيل بتحقيق اكبر قدر من المشاريع في الضفة الغربية قبل نهاية المدة الرئاسية لجورج دبليو بوش. وكانت عمليات مصادرة الأراضي قد جرت بينما كان المفاوضون الفلسطينيون يؤكدون أن الخط الجديد لموقع مرور الحاجز الذي أقامه الإسرائيليون يقضم مناطق أكثر من الأراضي الفلسطينية من خط الترسيم السابق.
ذلك أن الخط الجديد يضم 12 بالمئة من الضفة الغربية لإسرائيل بدلا من 9 بالمئة في التخطيط الأول. وحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية فإن أكثر من ثلث الضفة الغربية أصبح محتلا بالمستوطنات وبلغ عدد المستوطنين 450000 مقابل 5 .2 مليون فلسطيني في حالة إضافة القدس الشرقية.
إن مثل هذه الخطة تذكّر بالفخ الذي جرى نصبه للرئيس الراحل ياسر عرفات أثناء قمة كامب دافيد في شهر يوليو عام 2000. إن الإسرائيليين وبمساعدة الولايات المتحدة سيعملون على جعل محمود عباس يوافق على الأمر الواقع الجاري. فإمّا أن يصادق على الخريطة التي يتم تقديمها له وإمّا انه سيبدو هو الذي قال «لا» للسلام.
فهل يمكن للرئيس محمود عباس رفض أن يكون ضحية الرياء؟ انه قد يستطيع ذلك إذا طالب قبل الذهاب إلى انابوليس بنص يعالج المسائل الجوهرية التي ينبغي حلّها؛ وقد يستطيع ذلك أيضاً إذا شرح أنه لا يمكن عقد الاجتماع دون حماس. وبهذا يكون قد طرح ملامح مؤتمر حقيقي للسلام وأكّد موقعه كصانع إعادة بناء وحدة شعبه.
امّا الاتحاد الأوروبي الذي يبدو خافت الصوت وفاقدا للمصداقية أكثر فأكثر بسب انحيازه لواشنطن فإنه قد يستعيد الثقة إذا استعاد استقلاله وطوّر مبادرات بنّاءة ترمي إلى احترام القانون الدولي والقرارات العديدة للأمم المتحدة التي تطالب إسرائيل بالعودة إلى حدود 1967.
وقد ينبغي على الدول الأعضاء في الجامعة العربية من جهتها المطالبة بنقاش خطة السلام لعام 2000 والتي جرى تحديثها عام 2007 فهي تشكل اليوم احد أكثر الوثائق تقدما من اجل استئناف المفاوضات على أسس واقعية، والهدف بكل الأحوال هو عدم ترك الإسرائيليين والفلسطينيين وحدهم في مواجهة غير متكافئة وزادت حدّة عدم تكافئها بسبب مواقف الولايات المتحدة.
إن مؤتمر انابوليس كما يتصوره جورج دبليو بوش يبدو كتضليل يراد منه الدفع إلى الاعتقاد انه يتم التقدم نحو السلام بينما تدل جميع العناصر المتوفرة في الواقع على عدم وجود أية إرادة لدى المسؤولين الإسرائيليين لإعطاء فرصة للسلام. وكما نرى لم تتوفر للأسف الشروط لإحراز أي تقدم مهم لحل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس
