ساعات قلائل ويبدأ مؤتمر أنابوليس، غير أن دنو الموعد لم يبدد قليلا من الحيرة التي انتابت كثيراً من المحللين والمتابعين وربما أيضاً صناع القرار.
الجميع على المستوى العربي ذاهب إلى هناك دون تحضير جدي ودون اتفاق على القضايا الأساسية، وحدهم الإسرائيليون والأميركيون لديهم أجندة واضحة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالطموحات والحقوق العربية وإنما في إطار ترتيب أوضاع وتحسين صور واستعداد لخطوات قادمة.
يذهب العرب إلى المؤتمر ولديهم طرفان أساسيان من إجمالي ثلاثة يعانون انقساماً داخلياً مأساوياً يتيح التشكيك في شرعية تمثيلهم لطموحات شعوبهم الحقيقية بعيدا عن الحزبية والفئوية، وليس هناك ما يمنع من انجرار هؤلاء الممثلين لخصومات كان يجب تصفيتها داخليا أولا قبل الذهاب، بدلاً من أن يلقيها هناك فوق الطاولة الأميركية والإسرائيلية.
ومما يؤسف له أن الطرفين الفلسطيني واللبناني كانت لهما سابقة في طرح قضايا داخلية على محافل دولية، فسلطة أبو مازن حاولت في الأمم المتحدة ومجلس الأمن استصدار وثيقة تجعل من حماس مجرد «ميليشيات» خارجة عن القانون تمهيداً لاتهامها بالإرهاب وعزلها دوليا بشكل لا رجعة فيه رغم أنها حتى اللحظة تملك شرعية انتخابية لم تتغير.
كما أن الحكومة اللبنانية الحالية الممثلة في المؤتمر تعيش أزمة شرعية هي الأخرى، فمنذ شهور طويلة أصبحت بجناح واحد بعدما انسحبت منها المعارضة، وفاقم المهزلة أن مقعد رئيس الجمهورية المفترض أن يكون نقطة التقاء الأطراف المتخاصمة قد فقد دوره منذ اغتيال الحريري، وأصبح فارغاً تماماً قبل أيام.
وهي بعيدا عن هذه الأزمة قد حاولت تدويل صراع سياسي داخلي ونجحت في ذلك، فبدلاً من أن يكون القصاص ممن تآمروا لاغتيال الحريري عملاً داخلياً يتولاه القضاء اللبناني شأن كل الدول ذات السيادة أصبح عملاً أممياً.
كما أن مسائل مثل سلاح المقاومة واختيار بديل للرئيس المنتهية ولايته لم تعد بيروت ساحة حسمها، بل تطايرت ملفات الأزمة شرقاً وغرباً وحطت في باريس وواشنطن وغيرهما، ومن سخريات القدر أن تيار 14 آذار الذي حمل لواء استعادة استقلال لبنان عن النفوذ السوري قد رمى بأوراق هذه الاستقلال إلى عواصم أخرى وموائد أخرى تقرر نيابة عن لبنان وشعبه الذي يجلس متفرجاً على ما يجري ومعجباً أحيانا ببهلوانية زعمائه وقدراتهم التي تناسب عالم السيرك أكثر مما تليق بالسياسة.
الطرف الثالث يتمثل في سوريا، فربما تكون الدولة الوحيدة التي تحمل أجندة ما تتمثل في القرارات الدولية أو وديعة رابين أو المبادرة العربية للسلام، ولم تحسم مشاركتها في المؤتمر إلا قبل 48 ساعة فقط من بدئه، ذلك لأن موضوع الجولان لم يكن موجوداً بوضوح على جدول الأعمال.
وربما تفسر محاولة استبعاد الملف السوري لولا أن العرب ربطوا مشاركتهم الجماعية بحضور دمشق بعضاً من الألغاز التي تتناثر بامتداد حقل كبير من العواصم العربية إلى واشنطن، فالمغزى الوحيد لذلك هو أن الطرفين الأميركي والإسرائيلي أرادا الاستفراد بممثلي فلسطين ولبنان في عز لحظات ضعفهم سعيا لانتزاع تنازلات جديدة تلزم بلديهما حين تعود الأمور لمجراها الطبيعي مثلما ألزمت اتفاقية أوسلو الفصائل الفلسطينية على تباين أهدافها ووسائلها، إذ أن الحجج في محاولات تغيير اتفاقات تحولت إلى أمر واقع تصبح ضعيفة ولا جدوى منها.
الأطراف العربية التي قررت جماعيا الذهاب لا تدرك هي الأخرى سبب ذهابها اللهم إلا رفع العتب وتجنب ضغوط وسخافات واشنطن والنجاة من تزوير آلتها الإعلامية الجبارة وآلتها الاستخبارية التي لا تتورع عن شيء ولا تقيم وزنا لصداقة مع دول إذ أن الصداقة بين الذئب والحملان لم تحدث بعد إلا في خيال الشعراء.
هل هناك ما يمنع من أن يكون هاجس الطرف الفلسطيني الذي يحضر أنابوليس هو إزاحة حماس من الاستفراد بشأن غزة بدلا من إزاحة إسرائيل من الاستفراد بالسيطرة على القدس المحتلة، وهل هناك ما يمنع الطرف اللبناني من أن يكون هاجسه هو سلاح حزب الله الذي هو جزء من معادلة الصراع السياسي اللبناني بدلاً من الالتفات إلى مزارع شبعا والمطالبة بعودتها.
إن المفاوضين في النهاية بشر وليسوا ملائكة، كما أن مفاهيم الوطنية في العالم العربي قد تغيرت، فلم تعد المصالح العليا هي الحاكم الذي يضبط حركة ممثلي البلد، بل حلت مفاهيم أخرى للوطنية مثل الاستفراد بكرسي السلطة، وحسم الصراعات مع «العدو القريب» على طاولة العدو البعيد سعيا لإقصائه.
إذا كنا ننتظر من مؤتمر أنابوليس غير تبجحات إسرائيلية ومماحكات أميركية ومحاولة لانتزاع مصافحات خالية من اللياقة بين مسؤولين عرب وإسرائيليين، فلا شك أن نحلم أو بالأحرى نهذي.