يكاد يكون هناك إجماع على أن التوتر الذي نشب بين تركيا وأكراد العراق على خلفية رغبة الأولى في شن عملية عسكرية على شمال العرق قد خفت حدته بما يعني أن العملية العسكرية قد أصبحت مستبعدة في الوقت الراهن وفى المدى المنظور.
فقد أعلن وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري أن احتمالات شن تركيا عملية عسكرية تستهدف مقاتلي حزب العمال الكردستاني شمالي العراق أصبحت أقل، في ظل التعاون بين أنقرة وبغداد لحل هذه الأزمة بالطرق السلمية.
وقال: «التهديد لا يزال موجودا، لكننا على قناعة أن احتمالات القيام بعملية عسكرية كبرى أصبح أقل. وأكد تعاون بغداد وأنقرة لحماية الحدود بينهما ومنع الهجمات التي يشنها حزب العمال الكردستاني ضد تركيا.
وأضاف «نحن على قناعة أن أنقرة تصرفت بحكمة كبيرة ومارست ضبط نفس للحيلولة دون زيادة التوتر في العراق، خاصة عندما رأوا أن الأمور تسير بشكل جيد للأمام.
وقد جاءت هذه الخطوة بعد تدخل أميركي مكثف حيث بحث مسؤولان عسكريان أميركيان في أنقرة مع عسكريين أتراك سبل مكافحة المتمردين الأكراد الأتراك في شمال العراق.
وقالت قيادة الجيش التركي في بيان الأسبوع الماضي إن الجنرال أرغين سابغون - ثاني أكبر ضابط في الجيش التركي- استقبل الجنرال جيمس كارترايت نائب رئيس قائد الأركان الأميركي وقائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بيتراوس.
وأضاف بيان الجيش التركي «جرى في المقابلة بحث مواضيع تهم البلدين والتعاون وتقاسم المعلومات في مجال مكافحة حزب العمال الكردستاني العدو المشترك».
وجاء الاجتماع بهدف تنسيق الشق العسكري من التفاهمات التي اتفق عليها الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال اجتماعهما في واشنطن في 5 نوفمبر.
في نفس الوقت تعمل الأطراف المعنية بشأن الاستقرار في المناطق الحدودية العراقية التركية، وهى بالتحديد كل من الولايات المتحدة والعراق وتركيا والحكومة المحلية في كردستان العراق، على إعطاء مزيد من الوقت للحلول الدبلوماسية.
لكن المشكلة أن هناك طرفين يصعدان من حدة التوتر ولكل أسبابه المختلفة عن الآخر لكنهما يلتقيان في النهاية في الهدف النهائي المتعلق بدفع الأمور والتطورات إلى حافة المواجهة بل إلى المواجهة العسكرية ذاتها وهما كل من المؤسسة العسكرية التركية وحزب العمال الكردستاني.
فحسب تحليل الكاتب الكردي سامي شورش فان المؤسسة العسكرية التركية تريد وضع عراقيل غير قابلة للتجاوز أمام العملية الإصلاحية لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، خصوصاً تلك المتعلقة منها بتقييد صلاحيات المؤسسة العسكرية ووقف تدخلاتها في الحياة السياسية التركية.
فالمعروف أن أردوغان أكد منذ أشهر، أنه في صدد تنفيذ برامج إصلاحية واسعة تشمل تعديل الدستور الحالي المعمول به منذ عام 1982، أو سن دستور مدني جديد يتضمن تغييراً في مفاهيم كمالية أساسية خاصة بالمواطنة واحترام الثقافات واللغات غير التركية.
إضافة إلى تقليص نفوذ المؤسسة العسكرية وتحديد دور المحكمة الدستورية وتوسيع رقعة الحياة الحزبية والسياسية في البلاد. وليس خافيا أن المؤسسة العسكرية تعتقد أن تنفيذ الإصلاحات، التي تأتي في إطار التجاوب التركي مع شروط الاتحاد الأوروبي، سيتسبب في إشاعة أجواء من الديمقراطية والتعددية، ما يفضي، في المحصلة النهائية، إلى إعادة العسكر إلى معسكراتهم وإنهاء سطوتهم على مسار الحياة السياسية.
من هنا لم يستبعد المراقبون منذ الكشف عن نية اردوغان أن تتجه المؤسسة العسكرية إلى خلق عراقيل أمام الحكومة التركية بما فيها عراقيل وتوترات داخلية وإقليمية ودولية، ما يمكن أن يؤدي إلى عرقلة البرامج الإصلاحية للحكومة، واحد العراقيل.
كما هو واضح هو توتير علاقات تركيا مع شمال العراق ودفع الأمور إلى المواجهة العسكرية التي قد تشغل الحكومة على تنفيذ إصلاحاتها السياسية.
على الجانب الآخر يقف حزب العمال الكردستاني الذي، تنغّصه الإصلاحات التي ينوي أردوغان إحداثها في النظام السياسي التركي.
بل انه يرى في هذه البرامج مخاطر كبيرة تهدد مصيره خصوصاً مع نشوء تيارات سياسية كردية تؤمن بالاعتدال والعمل السياسي والبرلماني والثقافي.
فهذه التيارات في حال اكتمال نموها في ظل التجربة الأردوغانية الجديدة، يمكن أن تفتح طريقاً للتواصل بين اعتدال كردي مزدهر وحكومة تركية انفتاحية ما يمكن أن يمهد الطريق أمام إيجاد حل سلمي للقضية الكردية في تركيا.
إضافة إلى هذا، يتخوف الحزب من أن تفضي التوترات الحالية التي تترافق مع جهود أميركية من أجل تهدئتها، إلى إيجاد أفق واسع أمام قيام علاقات طبيعية بين تركيا وحكومة إقليم كردستان العراق.
في هذه الحالة، يرى الحزب أن العلاقات الطبيعية بين الحكومتين، إن جاء بشكل ثنائي مباشر أو عبر العراق الفيدرالي، ستستهدف القضاء على مجموعاته المسلحة التي تنتشر في كردستان العراق. كذلك يرى الحزب، على عكس الحال مع زعماء الأكراد في العراق، أن أكثر ما يمكن أن يفيد الحالة الكردية هو اضطراب الأوضاع ودوام منطق العنف في الشرق الأوسط بشكل عام، وتركيا بشكل خاص.
من كافة هذه المقدمات نستطيع أن نتوقع مسار الأوضاع المستقبلية في هذه الأزمة، حيث من المتوقع أن يدور صراع خفي بين مسارين متوقعين الأول جهود مكثفة من الأطراف المعنية تسعى إلى البحث عن سبل نهائية توقف التهديدات المتبادلة بين الجانبين أي تهديدات حزب العمال لأمن تركيا وتهديد تركيا باجتياح شمال العراق وهذه الإطراف هي: الحكومة التركية والولايات المتحدة والحكومة العراقية خاصة الشق الكردي المتمثل في الحكومة المحلية في شمال العراق.
أما المسار الثاني فهو القيام بعمليات من اجل استمرار التوتر بين الجانبين والمرشح لان يقوم بهذا الأمر حزب العمال الكردستاني وأجنحة من الجيش التركي. من هنا نفهم التناقض بين تصريحات الأطراف المعنية بالأزمة ففي الوقت الذي أطلق فيه وزير الخارجية العراقي التصريحات المشار إليها من قبل.
جاء وزير الخارجية على باباجان بعده بيوم واحد فقط ليهدد بالتدخل العسكري مرة أخرى بما يؤكد وعي الحكومة التركية للموقف المتمثل في أن هناك صراعا بين المسارين السابق الإشارة إليهما، وهو ما يعني في النهاية أن الأزمة سوف تراوح مكانها فترة ليست قصيرة من الوقت.
كاتب مصري