كثيراً ما نتساءل كيف يمكن أن نخاطب عقل الصغار دون أن نخدش براءتهم؟
كثيراً ما تجتاحنا نظرات الحيرة ونحن أمام موقف يتطلب حزمنا دون أن نؤلم عفويتهم.
وكثيراً ما نتوقف أمام حواراتنا معهم نتلمس طريقاً للتهرب من مواجهة تساؤلاتهم الصغيرة، منذ أيام وقع بين يدي كتاب يمكن أن يكون مصدر إلهام لكثير من الآباء والأمهات وحتى المدرسين والمدرسات، الذين يبحثون عن إجابات أكثر عقلانية وتوافق مع ميول الطفل ويحقق تواصلا مذهلا وهو محفّز على استمرارية التعليم دون أن يشعر الطفل بالضجر أو يخامره شعور انه تحت وطأة ضغوطات الأوامر والنواهي.
«كيف تتحدث بحيث يستطيع الأطفال التعلّم منك في البيت والمدرسة»، فعلا عنوان طويل ولكن حين تتصفح محتوياته تتقاطع مع الأفكار التي جاءت نتيجة خبرة كبيرة لمؤلفتيه «أديل فابر، وإيلين مازليش».
ورغم أن الكاتبتين قد ابتعدتا عن مجال التدريس للأطفال إلا أن تواصلهما مع مشكلات المدرسين مع تلاميذهم دفعتهما إلى المضي في تأليف ونشر الكتب الخاصة بالتواصل مع الأطفال وبخاصة هذا الكتاب الذي يعتبر دليلا يمكن أن يلخص طرقا بديلة لمساعدة الأطفال في التحلي بضبط النفس وان يصبحوا موجّهين من تلقاء أنفسهم إلى تحسين سلوكهم، وربما يتفق كل من الأهل والمدرسين في أهمية التوصل إلى هذه النتيجة التي لا يعرف بعضهم كيف يجدها بين مئات الكتب التربوية والعلمية.
لقد اعتمدت المؤلفتان على مقولة شهيرة للدكتور «هايم جينوت» الذي كان عالما متخصصا في علم نفس الطفل، إلى جانب انه استاذهما الذي اشرف على ورش العمل منذ أن كانتا طالبتين، يقول جينوت» إن الطريقة التي يتحدث بها أولياء الأمور والمدرسون تكشف للطفل عما يشعرون به تجاهه، ويؤثر رأيهم فيه على اعتداده بنفسه وإحساسه بالقيمة الذاتية، إن أسلوبهم في الكلام والتعامل معه يحدد مصيره إلى حد بعيد».
وحين نتعمق في هذه المقولة نكتشف بالفعل أن البعض مصاب بشكل ما بسوء التعبير مع أطفاله، ولا يستطيع التحكم في استخدام الأسلوب أو حتى نبرة الصوت التي تتوافق مع استعداد الطفل لتقبل الحوار والتفاعل معه.
ويركز الكتاب الذي اعتمد على الرسومات الكاريكاتيرية على المشاعر وهي المفتاح الذي يفتح أصعب القفول ويحركها تجاه خلق ومضات لاستجابات ضمنية يمكن أن يشعر بها الأهل أو المدرسون من خلال ملامح الطفل نفسه.
وما أكثر المدرسين الذين يعانون من صداع حقيقي نتيجة فقدهم لبوصلة السيطرة على تلاميذهم الصغار الذين يتسمون بالعناد وبعدم تفاعلهم مع أوامرهم ونواهيهم، بل البعض اختار أن يترك المهنة أو يهرب من ميدان التدريس لطغيان شعور المشقة والملل من عدم سيطرته على زمام الأمور سواء في الفصل أو في ساحة المدرسة.
بل البعض يبذل جهدا كبيرا لجذب التلاميذ للمنهج المقرر ورغم ذلك يواجه بخيبة الأمل، لكن ما يضعه الكتاب في حسبان المدرس أو المربي بشكل عام، هو أهمية وضرورة استبدال المواقع وأهمية تقمص مشاعر الطفل بدلا من ازدرائها أو دحضها بعبارات قد تفقده اهتمامه في التعبير عن رأيه ومشاعره مستقبلا.
ولعل الجملة التالية تلخص باختصار مكثف عن جوهر سلوك أي طفل في المرحلة الآنية التي تؤكد على أن: «هناك علاقة مباشرة بين مشاعر الأطفال وسلوكهم فعندما تكون مشاعر الطفل سوية، فإن سلوكه يكون سويا..كيف يمكننا مساعدة الأطفال حتى تصبح مشاعرهم سوية ؟ الإجابة بسيطة: تقبل مشاعرهم».
«الطفل :هذه قصة غبية، المدرس: كلا إنها قصة شيقة جداً»، هذا الحوار لا يزال يكرر في مدارسنا وحين يريد أن يحبب المدرس التلميذ في القصة فإنه يبادره بطرح رأيه وفرضه بقوة، وعلى النقيض لو تداخل المدرس مع الطفل واحترم رأيه ولعل هناك كثير من الأساليب التي يقدمها الكتاب لتحويل الحوار إلى مناقشة بناءه تثمن أسوأ مشاعرهم دون أن يقود ذلك إلى التمادي في تلك المشاعر السيئة فللطفل الحق في الشعور بالغضب والتعبير عنه لكن ليس لديه الحق في إيذاء طفل آخر.
وكما يساعد الكتاب الأهل في التعرف على مهارات لفهم مشاعر الطفل، فإنه يقدم مهارات تشجع أطفالهم على التعاون معهم، والحقيقة المرّة أن أطفال اليوم يتعرضون لضغط وإهمال غير مسبوقين .
ولاسيما الذين يتركون لفترات طويلة مع المربيات فهؤلاء بحاجة إلى كثير من الرعاية والتربية كي يستطيعوا التنفيس عن همومهم النفسية داخل الفصل لذلك فإن الكتاب يتغلغل عميقا في نفسيات الأطفال ومنهم بحاجة إلى التعلم، ومن الذين يعانون من التشتت لحاجتهم إلى الحب والرعاية وغالبا ما يؤدي اكتشاف بيئة الطفل إلى اكتشاف المهارات التي تحفزهم على التعاون سواء في البيت أو في المدرسة.
تعودنا أن العقاب هو الحل الناجع الذي يمكن أن يؤدي إلى تقويم سلوك الطفل ويعلمه الانضباط الذاتي، لكن الدكتور اروين هايمن يرى «أن العقاب الجسدي يعلم الطفل أن العنف هو الطريق إلى حل المشكلات».
فبدلاً من التهديد بالعقاب يقدم الكتاب عدة بدائل يمكن أن يلجأ إليها المربي كأن يوضح للطفل عن توقعاته الايجابية منه، أن يبين له طرق إصلاح الأمور دون لوم، أو أن يعمد إلى تقديم الخيارات التي تساعده على تجاوز مرحلة العقاب بتقويم سلوكه.
ثم يؤكد الكتاب على ضرورة تحمّل الطفل لنتائج سلوكه، أما عن كيفية حل المشكلات التي تدور حول المعركة اليومية الأهم وهي مشكلة تواصل الأهل مع الطفل لحل واجباته المدرسية ورفضه الاستجابة فلا بد من التقرب من الطفل ومحاولة استفهام مشاعره تجاه المواد التي يدرسها والتي قد يكون محبطا لإخفاقه في فهمها أو استيعابها.
إضافة إلى اعتماد أساليب غير تقليدية في استذكار الدروس أو مراجعتها وحفظها فبدلا من الكتابة يمكن للطفل أن يسجل صوته ويعيد الاستماع لنفسه، وهذا بدلا من الاستسلام إلى أن الأمل مفقود في تفاعل الطفل.
وإذا كان الكتاب يقدم تلخيصاً دسماً ومشوقاً لكيفية تدريب الأهل والمدرسين على التعاطي مع الطفل فإنه يقدم في الوقت نفسه أفكارا غير مسبوقة لكثير من المواقف التي تعبر عن خبرة طويلة ومتأنية في دراسة سلوك الطفل وهذه دعوة مخلصة لقراءته بل وتعميم تجاربه على مدارسنا وبيوتنا.
كاتبة إماراتية
