كم منا يعرف أن لدينا اليوم أكثر من خمسين منظمة 100% عربية غير حكومية وغير نفعية. من يعرف هذا؟ قلة من العرب ومن المهتمين. ولكن العرب سمعوا فقط عن هيومان رايتس ووتش!

شيء رائع. على الأقل سمعوا ـ وأنا منهم ـ عن منظمة غير حكومية أميركية تأسست في نهاية السبعينات من القرن الماضي، أولا تحت اسم هيليسنكي ووتش، ثم تطورت إلى هيومان رايتس ووتش، ومؤسسها (كما في العديد من المؤسسات العالمية) يهودي الأصل يدعى روبرت بيرنشتاين، ويديرها حاليا أميركي أيضا من أصل يهودي يدعى كينيت روث.

لا يهم من أين جاء هؤلاء ولا أصل معتقداتهم ولا حاجة للدخول في تفاصيل تشكيل هذه المنظمة. المهم أنهم أسسوا «منظمة» أصبحت اليوم واحدة من أكثر المنظمات غير الحكومية تأثيرا في العالم، وأصبحنا نتخوف من اسمها حين يكون الأمر متعلقا بحقوق الإنسان العربي أو الأجنبي على أرض العرب.

في حقيقة الأمر ربما كرس الإعلام العربي من إذاعة وتلفزيون وصحف ومجلات ثلاثة أرباع وقته إما لأخبار الفنانين والفنانات الهابطات أو للترويج لعلامات تجارية أجنبية مستعدة لأن تدفع مقابل كل ربع دقيقة إعلان ملايين الدولارات وما يعادل هذا المبلغ لكل من يغني ويرقص لها،

ولم تحاول هذه السلطة الرابعة أن تكرس هذا الإعلام المشغول بنفسه وبأموره الهابطة حتى ربع صفحة أسبوعية أو نصف دقيقة على الهواء لمنظمة من منظمات العالم العربي. ونحن نعلم ما هو الدعم النفسي (فقط) لهذه المنظمات لو تم إلقاء الضوء عليها من حين لآخر.

المنظمات العربية غير الحكومية ـ المفترض أنها تعمل باستقلالية ودون رقابة عليا على شؤونها وقراراتها ـ معظمها تهتم بشؤون الإنسان العربي جنسية وأصلا أولا وأخيرا، وكلها ترمي إلى تنميته فكرا وثقافة وتربية واقتصادا وحرية تعبير.

على سبيل المثال، كم عدد العرب الذين يعرفون شيئا عن «المعهد العربي الأميركي»، الذي تأسس عام 1985 كمنظمة لا ربحية هدفه رعاية مصالح المواطنين الأميركان ذوي «الأصل العربي»؟ أو الأكاديمية الإسلامية للعلوم؟ أو اللجنة العربية لحقوق الإنسان؟ وغيرها وغيرها من المنظمات.

كيف استطاعت منظمة هيومان رايتس ووتش أن تصل إلى ما وصلت إليه من النفوذ لولا وجود الدعم المادي والرسمي (من حيث عدم التدخل في شؤونها الداخلية وفرض كلمتها عليها) ووجود عدد هائل من العاملين (الفاعلين) في داخل مؤسساتها؟

هذه المنظمة الأميركية سمعنا عنها فقط عندما دار الحديث عن غضبها بخصوص حقوق العاملين الآسيويين في دول الخليج. وقامت الدنيا وقعدت حول ملاحظاتها. كما قامت الدنيا وقعدت لأمور أخرى تتعلق أيضا بحق الإنسان في الحياة وإبداء الرأي وحقه في الخطأ والصواب وفي الدفاع عن نفسه.

صحيح أنه لا يحق لمؤسسة أجنبية أميركية خارجية غير رسمية أن تتدخل عنوة في شؤون دولة أخرى ذات سيادة في موضوع يتعلق بحقوق الإنسان في حياة كريمة بينما البلد التي تمارس على أرضه نشاطاتها الإنسانية تعتبر من أكثر دول العالم انتهاكا لحقوق الإنسان،

وعنصرية وظلما وهتكا لحرمات البشر. فعلى سبيل المثال، كيف يجوز إطلاق سراح مجموعة (الجنود) قتلوا بدم بارد وبدون ذنب أكثر من عشرين (مدنيا) عراقيا من بينهم أطفال ونساء وكبار بالسن؟ وأن مثل هذه الحوادث تتكرر كل يوم في العراق وأفغانستان؟

ألا تعتبر هذه واحدة من جرائم الحرب التي يجب أن تنشأ لها محاكم عسكرية؟ هل تجرأت منظمة هيومان رايتس ووتش على أن تطالب بمحاكمة الرئيس جورج بوش للجرائم التي ارتكبت في حق الشعب العراقي؟ أو إيهود أولمرت للجرائم التي طالت المدنيين اللبنانيين؟ إلا أن هذه التجاوزات لا تعطينا الحق أن نمارس شيئا منها.

على أية حال، نحن لسنا ضد هذه المنظمة التي على الأقل تتجرأ لأن تقول كلمتها ولو بنصف عدالة حينما يكون الأمر متعلقا بحقوق البشر، حيث لا توجد عدالة تامة في تاريخ البشرية. ولكن ذلك خير من لا عدالة على الإطلاق. ولا ندافع من جانب آخر عن أنفسنا كدولة لها مكانتها الدولية واحترامها وموروثها المؤسس على القيم والقواعد والقوانين الإسلامية.

ولأننا لا نملك منظمة خاصة تماثلها في القوة والنفوذ والانتشار، أو لديها الإمكانيات الكافية للتحقق من حدوث هذه التجاوزات أو من عدمه، نجد أنفسنا أمام أحد أمرين؛ أن نرفض رفضا قاطعا كل ما تدعيه تلك المنظمة، أو نصدق كل ما تقوله.

لكننا في النهاية في حاجة إلى من يسبق هذه المنظمات الخارجية في تنبيه المسؤولين عن أي تجاوزات لا إنسانية قد تحدث على أرض دولتنا الكريمة. فمثلا، الكثيرون من أصحاب القلم أو الكلمة سواء من خلال الصحف أو من خلال البرامج الإذاعية المباشرة دحضوا هذه المزاعم،

واعتمدوا على أن الآسيويين ـ من بين أكثر الجاليات الأجنبية مثارا الجدل ـ يجدون في دولتنا أبوابا للرزق والحقوق التي لن يتمكنوا من أن يحصلوا على جزء يسير منها في بلدانهم التي قدموا منها، وأن منهم من يملك في دولتنا أكثر من حصة وحق المواطن نفسه،

وأن المواطن في كثير من الحالات هو الذي يدفع الثمن وتكون حقوقه مهضومة من قبل هؤلاء ولا يجد إن فر مكفوله من يعيد له حقه ولا حتى هيومان رايتس ووتش نفسها. وهذا صحيح 100%، وأصبح المواطن صاحب الضمير الحي هو أكثر من يدفع ثمن حسن نيته.

ولكننا نتغافل عن جانب آخر من القضية لا يقل أهمية عن تلك، وهو أن الأثرياء الآسيويين في الدولة عددهم محدود مقارنة بالعمال الآسيويين العاديين في حين يفوق عدد الأثرياء المواطنين عددا وأصفارا، وأن عدد العمال العاديين تتجاوز نسبتهم 90% من العمالة الأجنبية ككل.

نحن اليوم وأكثر من أي وقت مضى، بعد أن اختلط الحابل بالنابل في الدول النامية ومنها بلدنا جريا وراء الإمساك بقطار الاقتصاد السريع، في حاجة إلى منظمات ومؤسسات ومعاهد دراسات غير ربحية وغير حكومية تقوم بعملها دون أي تأثير خارجي لتضع الأمور في نصابها الصحيح.

ولا شك أن أيا من حكامنا لم ولا ولن يرضى أن تحسب بلده على الدول التي تهضم حقوق البشر، أو توضع على قائمة الدول العنصرية، أو الظالمة. إن سمعة بلدنا ونحن نستعد للاحتفال بالعيد الوطني السادس والثلاثين يجب أن توضع فوق أي مصلحة شخصية أو خاصة لكي نجنب أنفسنا المساءلات والإحراج الذي لا داعي له.

بالأمس تدخلت هذه المنظمة في قرار اتخذته حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة بإغلاق محطتين فضائيتين باكستانيتين تبثان من مدينة دبي للإعلام وأمرت بإعادة فتحهما «دون قيد أو شرط» ـ وبعد مفاوضات مع تلك المحطتين أعيد فتح أحداهما. وقبل أيام أيضا تدخلت نفس هذه المنظمة في قرار محكمة سعودية بخصوص حكم أصدرته المحكمة في قضية اشتهرت بقضية «فتاة القطيف».

وربما تدخلت هذه المنظمة غدا في الدفاع عن المدرس الأجنبي الذي تم فصله من إحدى مدارس الدولة النموذجية وطلب إعادته دون قيد أو شرط إلى تدريس مادة الرقص الفلكلوري في مدارس الغد(!)، ومن يضمن أن هذه المنظمة التي فتحنا لها بابا واحدا لمراقبة شؤوننا وتصرفاتنا الداخلية لن تتدخل غدا في المطالبة بمنح الجنسية لأكثر من 85% من سكان الدولة (من غير المواطنين)، أو تمثيلهم في المجالس النيابية،

أو على الأقل إنشاء وزارة يرأسها آسيوي تهتم برعاية مصالح أبناء شعبه الذين يعانون الظلم على حد قول هذه المنظمة، ومن يدري إن فتح هذا الباب بوصة واحدة أن لا يجر إلى فتح أبواب لا نهاية لها من المطالب «العادلة» لحقوق الإنسان؟

لا نستبعد أي شيء من تلك المنظمة أو من منظمات أجنبية أخرى مشابهة قد تتجرأ لاحقا بطلب الشيء نفسه، ما دمنا سمحنا لها ما لم نسمح به لأنفسنا. يجب أن نفعل منظماتنا العربية التي تعني بتنمية الفرد وبحقوقه وتنميته بأمانة وصدق وعدالة دون تدخل خارجي في شؤونها وعملها وإدارتها.

فقط بهذه الطريقة نستطيع أن نكمم أفواه تلك المنظمات التي لا ترى البقع السوداء إلا في ثياب الشعوب الفقيرة والنامية، وتتحدث بخجل عندما يكون الأمر متعلقا ببقع سوداء بحجم قارة تتمثل في سجون لا إنسانية على شاكلة غوانتانامو أو السجون الطائرة أو الانتهاكات المستمرة في إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني الذي قطع عنه التيار الكهربائي قبل أيام، لا أكثر.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com