ودّعني قبل أن تتوقف الحافلة بدقائق وقال لي بأنه مضطر للذهاب، وقبل أن يتمنى لي وقتاً سعيداً في باريس سألته إن كان يستطيع أن يكمل الرحلة السياحية معي وسوف أعطيه أجراً إضافياً، فضحك وقال لي:«يسرّني ذلك لكنني لا أستطيع أن أعمل لأكثر من 35 ساعة في الأسبوع.
وأخشى إن فعلنا ذلك أنا وغيري من المرشدين السياحيين أن تصبح زيادة ساعات العمل عادة، فتقوم الحكومة برفعها بعد أن قللّتها قبل عدة سنوات... الحياة جميلة يا صديقي، إنها أجمل من المال». ثم نزل يجري من الحافلة وهو يحيي الناس في الشارع حتى كاد أن يقبّل كل من رآه، وبقيت أفكر في كلامه وأنا أنظر إلى المقاهي الباريسية المكتظة بالناس على الرغم من أن ذلك اليوم لم يكن يوم إجازة.
عندما سألت وبحثت عن نمط الحياة في فرنسا تبين لي بأن الفرنسيين هم من أقل الشعوب عملاً في العالم، فإلى جانب ساعات عملهم القليلة فهم يحصلون على يوم إجازة كل شهر - سواء كانت هناك مناسبة أم لا - وهناك أكثر من 20 يوم إجازة طوال العام.
وإذا جاء وقت العمل فإنهم يعقدون اجتماعاتهم في المقاهي والمطاعم، وعندما يشربون القهوة فإنهم يحتسونها ببطء شديد حتى لا تفوتهم فرصة التلذذ بمذاقها الذي يقدسّه الفرنسيون أكثر من تقديسهم لنابليون على ما أظن.
إلا أن فرنسا هي أكبر دولة مصدرة للحديد والصلب، وهي صاحبة علامات بعض السيارات العالمية كبيجو ورينو وغيرها، وهي أيضاً منتجة طائرات إيرباص العملاقة ناهيك عن الطائرات والمعدات الحربية التي تعد فخر الصناعة الفرنسية.
وفي السويد لاحظت الحكومة عام 2002 أن عدد الموظفين الذين تغيبوا عن عملهم بسبب المرض قد تضاعف مرتين في السنوات الخمس السابقة لذلك العام، وبعد أن أجريت عدة أبحاث في هذا الصدد، تبين لها أن أعباء العمل قد ثقلت بشكل مضطرد في نفس الفترة.
فقامت على الفور بوضع خطة عمل لتخفيف هذه الظاهرة بنسبة 50% بين عامي 2002 و2008 حيث أن خسائر الحكومة وصلت إلى 9 مليارات دولار بسبب هذا الغياب المتزايد. وفي اليابان تسمى ظاهرة العمل حتى الموت «كاروشي» وهي ظاهرة آخذة بالازدياد
حيث أثبتت بعض الدراسات أن الذين يعملون لمدة 12 ساعة في اليوم معرضون للموت المفاجئ بنسبة تزيد عن 37% مقارنة بأقرانهم الذين يعملون لمدة أقل من ذلك، وعلى إثر هذا أقرت الحكومة اليابانية قانوناً يلزم الشركات بدفع تعويض (دية) لأهل الميت بالكاروشي.
وفي دراسة لمركز «الدراسات المهنية» الأميركي تبين أن العمل لساعات طويلة هو السبب الرئيسي لأمراض ارتفاع ضغط الدم، والقلب، والإعياء، والتوتر، والاكتئاب، وأمراض العضلات والعمود الفقري، والسكري وغير ذلك من أمراض تكفي للقضاء على شعب بأكمله،
ولهذه الأسباب قامت بعض الدول المتقدمة بدق ناقوس الخطر حتى لا يبدأ العد التنازلي معلناً نهاية حضارتها، لا لشيء إلا لأنها بنت للإنسان ثم بنت عليه. وكانت من أولى هذه الدول هي بريطانيا، حيث قامت الحكومة عام 2000 بوضع خطة عمل كان أهم معالمها هو تأسيس صناديق مالية لتمويل مشاريع تقوم بها مؤسسات أو موظفين لتحقيق توازن بين الوظيفة والحياة،
فعلى سبيل المثال يعنى صندوق «Partnership Fund» بتمويل مشاريع تزيد من إنتاجية الموظف ولكنها تعمل في نفس الوقت على الموازنة بين وظيفته وبيته، وتقلل أيضاً من تعرض الموظفين لأمراض مزمنة سببها الوظيفة. ثم طرحت صندوق «Challenge Fund» الذي يمول مشاريع استشارية
وبحثية لتقديم أساليب وأنماط إدارية مبتكرة - ليس بالضرورة أن تكون مشاريع - لتوازن بين حياة الموظفين وبين وظائفهم. وبعد ستة أشهر من إطلاق هاتين المبادرتين أُخذت إحدى الشركات الخاصة التي استفادت منهما كعينة لقياس أثر المشاريع التي طبقتها، فتبين أن إنتاجية الموظفين زادت فيها بنسبة 9%، وانخفضت كلفة العمل الإضافي overtime بنسبة 26%،
كما انخفضت نسبة التغيب عن العمل إلى 46%، وقلت حالات المرض بنسبة 51%. ثم قامت الحكومة بإطلاق حملات تثقيفية للموظفين عن طريق البرامج التلفزيونية والحملات الإعلانية والمواقع الإلكترونية لتعرفهم بمخاطر استنزاف أنفسهم في الوظيفة والاستماتة في العمل.
وأذكر أنني كنت أقود سيارة على إحدى الطرق السريعة في بريطانيا قبل عدة أشهر وتعجبت لانتشار عبارة «التوتر بإمكانه أن يقتلك» على معظم اللوحات الإعلانية الموجودة على ذلك الطريق.
وفي بريطانيا أيضاً أقرت الحكومة قانوناً يلزم الشركات بحد أدنى لتنظيم العمل الإداري، وذلك على إثر دراسة قامت بها إحدى مراكز الأبحاث أثبتت أنه عندما تكون بيئة العمل (غير منظمة) وعندما لا يعرف الموظف مسؤولياته بوضوح فإنه يكون أكثر عرضة للتوتر العصبي
وبالتالي للأمراض المزمنة، فاعتمدت الحكومة معاييراً أطلقت عليها اسم «»كود التوتر» وفرضت على جميع المؤسسات الالتزام بها. وفي حال أثبت استبيان رضا الموظفين في إحدى الشركات أن 85% من الموظفين لا يرون شركاتهم تطبق هذه المعايير فإن ذلك يعرض الشركة للمساءلة القانونية.
أما في نيوزيلندا فلقد أطلقت الحكومة قبل خمس سنوات جائزة لأفضل الممارسات التي تقدم حلولاً جديدة لتخفيف أعباء الوظيفة على الإنسان وتقدم حلولاً عمليّة لطرح توازن بين الحياة والوظيفة، ولأهمية هذه الجائزة
فإن رئيس الوزراء يقوم بتسليمها شخصياً إلى الأشخاص الفائزين في حفل ضخم يقام كل عام. وفي خطاب العرش الذي ألقي عام 2002 في البرلمان قال الحاكم العام: «العمل هو جزء واحد فقط من الحياة، وعلينا ألا ندمرها بسببه».
وقبل سنوات قامت شركة «بي تي» البريطانية بإدخال مفهوم جديد للعمل أطلقت عليه اسم «من أي مكان وفي أي وقت» حيث فتحت المجال للموظفين بالعمل من أي مكان وفي أي وقت يشاؤون على أن يلتزموا بمخرجات معينة،
فليس المهم هو كم ساعة يعملون، بل الأهم من ذلك هو ماذا ينتجون. واليوم يعمل أكثر من 75% من موظفي الشركة في «اللامكان» حيث لا تعرف الشركة أين هم، ولكنها تعرف بالضبط ماذا يقدمون لها،
وبالتالي استطاعت الشركة أن توفر خمسة ملايين جنيه استرليني كانت تصرفها كل سنة على استبدال الموظفين المستقيلين وتدريب موظفين جدد مكانهم، وكانت النتيجة أيضاً أن انخفضت نسبة غياب الموظفين الذين يعانون من التوتر إلى 63%.
عرف أبراهام لينكولن بأنه محرر العبيد في أميركا، وعلى الرغم من أنه جاء في عهد الحرب الأهلية الأميركية، ومرت به أهوال جليلة وقلاقل مزلزلة إلا أنه كان يميل دائماً إلى المرونة والتسامح في كل الحالات، حتى تمكن من إقرار قانون تحرير العبيد،
ولذلك استطاع أن يكون أحد آباء الولايات المتحدة المتميزين. نحن لسنا في حاجة إلى لينكولن آخر ليحررنا من عبودية الوظيفة، ففي كل واحد منا لينكولن مصغّر يدعوه دائماً للاستيقاظ واتخاذ إحدى أعظم القرارات في حياته، بشرط أن يكون قراراً سلمياً يخبت الثورات الداخلية تماماً كما فعل لينكولن،
ويدفع بنا لنكون أحراراً جدد، نعمل من أجل أوطاننا ومن أجل أنفسنا... والأهم من ذلك، من أجل السعادة، وكما قال الأديب الروسي ماكسيم غوركي: «عندما يكون العمل مبعث سرور تكون الحياة سعيدة، وعندما تشعر أنه واجب تكون الحياة استعباداً»
باحث إماراتي