لعل تطبيق نظام الحكم الفيدرالي هو حاجة للبلدان التي تطبقه وليس اختياراً كيفياً أو مزاجياً ذلك لأن هذا التطبيق هو استجابة لظروف موضوعية، لأن الفيدرالية أسلوب حكم أكثر عدالة من غيره في كثير من البلدان خاصة تلك التي تقوم فيها تباينات داخل مكوناتها الثقافية أو القومية (كما هو حال العراق) وهي ـ أي الفيدرالية ـ أقدر على توزيع عادل للثروة وتحقيق مساهمة نشطة لجميع القوى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

أشير في البدء إلى أنه من الخطأ إعطاء النظام الفيدرالي في بعض المجتمعات صفة أخلاقية (خيراً أو شراً) فهو نتاج تطور الدولة الحديثة في بعض المجتمعات، واستجابة لحاجات سكان الدولة ضمن حدودها التي تشكلت تاريخياً ووسيلة لتنظيم أحوال البلاد ونظام الحكم بما يحقق المساواة بين أفراد المجتمع وفئاته وتكافؤ الفرص والعدالة والسلم الاجتماعي،

ويخفف التفاوت الاقتصادي والاجتماعي القائم بين السكان، ويعطي لتجمعاتهم (ومكوناتهم) إمكانية استيعاب ظروفهم وشروط تطورهم، فهي (أي الفيدرالية) والحالة هذه محددات لنظام حكم وأساليب ووسائل تجعل من نظام الحكم في بلد بعينه الوسيلة الأفضل لتحقيق مصالح الناس وتوافقاتهم وتطور حياتهم إلى الأفضل والمساواة بين الأفراد والعدالة بين مكونات المجتمع مهما كان تعددها وتنوعها.

هذا هو الإطار العام للنظام الفيدرالي وهذه هي أهدافه، ولعله في ظروف بعينها النظام الأفضل للمكونات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لدولة من الدول. لكن هذا الإطار العام لا يصلح لأن يكون نموذجاً لكل الدول ومثالاً يحتذى، ويتعذر أن تكون إيجابياته وسلبياته واحدة في كل مكان،

فقد يصلح لهذا البلد ولا يصلح لذاك، ويتعلق الأمر بالشروط الموضوعية القائمة في البلد المعني، وإلا أصبح وسيلة لدمار البلد والمجتمع والدولة وتفكيكها ووضعها في خضم صعوبات ومشاكل كانت بغنى عنها، لأنه ليس دائماً النظام الصالح لمعالجتها وتفادي نتائجها السلبية، كما هو حال العراق اليوم.

كان العراق دولة ذات نظام حكم مركزي بل شديد المركزية وهذه واحدة من سلبياته لأنه يضم عدداً من المكونات القومية والثقافية التي لابد للمركزية من أن تهضم حقوق بعضها ويصعب تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص وتقاسم الثروة بالعدل فيما بينها مع وجود هذه المركزية،

ومن المرجح أن نظام حكم لا مركزياً في العراق هو من حيث المبدأ واحد من الخيارات الأفضل التي تحقق مصالح جميع فئات المجتمع أو معظم مصالحها، ولكن الفيدرالية التي تعمل بعض الفئات العراقية لتحقيقها تختلف عن أصول هذا الخيار وحقيقته الجوهرية وتؤدي إلى تفكك العراق، وهذه هي المخاطر التي رآها الرافضون للنظام الفيدرالي واعتبروها تقسيماً للعراق وليس توحيداً له كما يزعم أنصار الفيدرالية.

فعلى نطاق الواقع العراقي المحسوس من المتوقع أن يؤدي النظام الفيدرالي حسبما تطرحه بعض الفئات العراقية إلى إلغاء الدولة العراقية بما هي دولة وتحويلها إلى تجمع دويلات قد تتشاور في هذا الأمر

أو ذاك دون أن يوجد من يلزمها على القبول أو الرفض، ويهيئ المناخ لهذه الدويلات كي تتحول إلى دويلات مستقلة أو شبه مستقلة تتلاشى مع قيامها الدولة العراقية الواحدة الموحدة سواء كانت فيدرالية أم مركزية أم بأية صفة.

في الواقع الملموس حالياً يتصرف إقليم كردستان العراق كدولة شبه مستقلة، فله علمه ونشيده ويرفض رفع علم الدولة المركزية أو عزف نشيدها كما يطبق مناهج تعليم خاصة لا يقع ضمنها تعليم اللغة العربية وهي اللغة الرسمية للدولة،

وله تمثيل دبلوماسي (تحت مسمى ممثل الإقليم) في معظم بلدان العالم، كما له جيشه وأجهزة أمنه وموازنته فضلاً عن مؤسساته التشريعية والتنفيذية المستقلة التي لا سلطة للدولة المركزية عليها، وتوقع حكومته اتفاقات اقتصادية وأخرى لاستثمار النفط مع شركات ودول أجنبية دون معرفة الدولة المركزية أو موافقتها،

وباختصار للإقليم استراتيجيته وسياساته بما فيها إعلان الحرب والسلم والتعامل مع الدول الأخرى بمعزل عن الدولة المركزية، فأية فيدرالية هذه التي يتحدثون عنها، وهل من حق أية ولاية أميركية أو ألمانية أو روسية (وهي دول فيدرالية) مثلاً أن تقيم علاقات اقتصادية أو سياسية أو دبلوماسية مع الدول الأخرى؟

وفي الواقع الملموس أيضاً تعمل بعض الفئات العراقية في جنوب العراق لإقامة فيدرالية مماثلة على أمل أن تعطى لإقليمها الصلاحيات التي حصل عليها الشمال، وبالتالي تنشئ علمها ونشيدها ودبلوماسييها واتفاقياتها الاقتصادية مع الخارج وتحالفاتها السياسية

وخاصة مع إيران وربما جيشها وذلك كله بمعزل عن الدولة المركزية وإذا طبقت الفيدرالية بهذا الشكل في العراق لابد أن يكون للوسط الصلاحيات التي انتزعها الشمال والجنوب، ويكون في العراق عندها مشروع دويلات ثلاث على طريق التشكل بل على طريق استكمال التشكل، لا يحتاج انفصال بعضها عن البعض الآخر سوى بلاغ إذاعي من أي إقليم أو زعيم،

خاصة مع عدم وجود جيش مركزي قوي قادر على مواجهة جيوش الفيدراليات أو ميليشياتها، ومن يستطيع عندها أن يمنع إقليم كردستان العراق من إعلان دولة كردية منفرداً أو إقليم الجنوب من إعلان دولته والوسط والغرب من إعلان دولته بدوره، ويكون العراق عندها أثراً بعد عين ولن يبقى له سوى بغداد (إن بغداد تكفيني ولا يستكثرونها عليّ)

من الأمور الخطرة أنه يتم الآن الحديث عن توزيع الثروة النفطية على الأقاليم، حسب حصص متفق عليها وثابتة، وإعطاء الحق لكل إقليم إقرار الضرائب وجبايتها، وبالتالي إبقاء الدولة المركزية عالة على الفيدراليات (تستعطي) رواتب موظفيها، والقيام ببعض الواجبات، وتحرم من صلاحيات الدولة الاتحادية فهي والحالة هذه مرجعية كاذبة لتبرير الانفصال الفعلي.

إذا كان لكل إقليم جيشه وعلمه ونشيده وموازنته وجيشه وحقوقه في عقد الاتفاقات مع الدول الأخرى وتمثيله الدبلوماسي المستقل، ومؤسساته التشريعية والتنفيذية المنفصلة، فماذا يبقى للدولة المركزية، وهل ستكون فعلاً دولة فيدرالية أو حتى دولة كونفدرالية، أم أنها ستكون صورة مشوهة عن الدولة؟

وفي الحالات كلها ينبغي أخذ أمرين بعين الاعتبار في مجال الفيدرالية:

الأول: أن للفيدرالية مهمات إيجابية في بناء بعض الدول منها استيعاب التنوع والاختلاف وتحقيق العدل والمساواة بين الأفراد والأقاليم لا توزيع خيرات وإمكانيات الدولة المركزية على شكل محاصصة.

والثاني: أنها لا تصلح في كل زمان ومكان بل تستجيب لشروط بعينها ينبغي عدم تجاهلها. وبهذا المعنى فهي ليست شراً.

كاتب سوري