عُقدت في الرياض في يومي السابع عشر والثامن عشر من الشهر الجاري القمة الثالثة لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وقد تطرقت الحوارات التي دارت فيها، والتي انعكست في بيانها الختامي، إلى العديد من القضايا الساخنة أبرزها ضمان إمدادات النفط والبحث عن الوسائل التي تؤدي إلى استقرار أسواقه خاصة وأن الفترة الأخيرة قد شهدت ارتفاعات غير مسبوقة في أسعاره.
كما أعارت هذه القمة أهمية خاصة لحماية البيئة ومكافحة التلوث البيئي وتعزيز التنمية الاقتصادية الشاملة والمستديمة في الدول الأعضاء. فمنظمة الأوبك تلعب دوراً هاماً في حركة أسواق النفط العالمية حيث تنتج الدول المنضوية تحت لوائها ما يقرب من27 مليون برميل من النفط الخام يومياً، أي ما يزيد على 40% من النفط المنتج في العالم.
وتضم الأوبك في عضويتها الدول التي تمتلك أكبر مكامن النفط في العالم كالمملكة العربية السعودية وإيران والعراق والكويت والإمارات. وقد سبق عقد هذه القمة عقد ندوة دولية بعنوان الطاقة والتنمية شارك فيها عدد كبير من الوزراء والخبراء في شؤون التنمية الاقتصادية والطاقة.
ومع أن العالم قد تابع باهتمام مجريات المؤتمر لما لموضوع النفط من أهمية حيوية في جميع أنحاء العالم وخاصة لدى الدول التي تستورده، إلا أن هذا المؤتمر قد شهد بادرة جديدة جديرة بأن تُذكر وتُدرس، فقد أعلنت المملكة العربية السعودية تخصيص مبلغ 300 مليون دولار للأبحاث الخاصة بالبيئة أعقبتها كل من الكويت وقطر والإمارات بالإعلان عن تخصيص مبلغ 150 مليون دولار لأغراض مشابهة، فأصبح المبلغ الإجمالي الذي رصدته هذه الدول للأبحاث البيئية سبعمئة وخمسين مليون دولار، وهذه الدول هي أعضاء في مجلس التعاون الخليجي.
تزايدت في السنوات الأخيرة الدعوات لإعارة البيئة ما تستحقه من أهمية لاسيما ان هذه القضية ليست قضية محلية أو إقليمية خاصة حينما يتعلق الأمر بالتغيرات التي طرأت على التوازن البيئي واحتمالات مساراته التي قد تقود إلى الكوارث، حيث تقبع المصادر التقليدية للطاقة، النفط والغاز والفحم، على رأس قائمة المواد الملوثة للبيئة.
العمليات النفطية تسبب تلوثات مختلفة للبيئة في جميع مراحلها، ابتداء من الاستكشاف ثم حفر الآبار ثم استخراج النفط ثم نقله وأخيراً استخدامه لإنتاج الطاقة الكهربائية أو استخدامه كوقود في مختلف وسائل النقل البري والبحري والجوي. وبعض هذه العمليات مثل الاستكشاف والحفر والإنتاج يسبب تلوثات موقعية قد لا تتعدى مساحات صغيرة تحيط بموقع العمليات.
إلا أن النقل يسبب تلوثات على مستوى أوسع كثيراً من ذلك خاصة حين تتعرض أنابيب النفط التي قد تمتد مسافات آلاف الكيلومترات إلى حوادث تسبب تسرب النفط منها أو تتعرض ناقلات النفط إلى الغرق كما حدث مراراً في الخليج العربي وفي بحار أخرى.
إلا أن أبرز الأضرار التي لحقت بالبيئة حتى الآن هي من جراء استخدام النفط والغاز والفحم كوقود في محطات الطاقة الكهربائية وفي تسيير ملايين وسائل النقل المختلفة المتوافرة في كافة أرجاء العالم، أي حين تلفظ نواتج احتراق هذه المواد إلى الهواء الذي يسمح بانتشارها في كل الأصقاع.
فالنفط عند إحراقه يتولد غاز ثاني أوكسيد الكربون ويتولد كذلك غاز ثاني أوكسيد الكبريت بسبب توافر عنصر الكبريت في النفط الخام بنسب تختلف من مكمن نفطي إلى آخر، ويتحول الغاز الأخير بالتفاعل مع بخار الماء إلى حامض الكبريتيك الذي يهطل مع الأمطار. وتسبب هذه الأمطار التي تعرف بالأمطار الحمضية أضراراً عديدة منها تغيير الأس الهيدروجيني للتربة وجعلها غير صالحة للزراعة و تلويث مياه الأنهار والبحيرات.
لقد عقد العديد من المؤتمرات الدولية للحد من تأثير الغازات المنبعثة بسبب إحراق النفط أو الغاز أو الفحم وصدرت توصيات عديدة من منظمات ودول، إلا أن ما اتخذ حتى الآن من إجراءات لا يعادل ما يحدث من أضرار للبيئة خاصة وأن ظاهرة الاحتباس الحراري باتت حقيقة لا أحد يستطيع إنكارها ولا أحد يستطيع التقليل من آثارها المدمرة في المستقبل.
فهنالك ارتفاع ملموس في معدلات درجة الحرارة بسبب فقدان الموازنة الحرارية بين الأرض والفضاء الخارجي الذي يحيط بها، فالأرض تستلم من الأشعة الحرارية أكثر مما تبعث بسب التغير في خصائص الغلاف الجوي الذي ارتفعت فيه نسبة الغازات المسببة للاحتباس الحراري وخاصة غاز ثاني أكسيد الكربون من جهة وبسبب تقلص المساحات الخضراء في العالم من جهة أخرى.
الكميات التي تطرح من غاز ثاني أكسيد الكربون هائلة فهي تساوي ما يستهلك من النفط والغاز والفحم يومياً وهي ملايين الأطنان. وقد أدى ذلك إلى زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو بمقدار 35% عما كانت عليه عند بداية العصر الصناعي.
كان المصدر الرئيسي، قبل عصر النفط، لوجود غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو هي البراكين أما في الوقت الحاضر فإن الأنشطة التي يمارسها الإنسان تسبب انبعاث هذا الغاز بمقادير تساوي 130 ضعفاً لما تلفظه البراكين. فالبراكين تلفظ سنوياً بين (130-230) مليون طن من هذا الغاز سنوياً حسب درجة نشاطها، في حين تسبب الأنشطة التي يقوم بها الإنسان انبعاث ما مقداره 27 مليار طن من هذا الغاز سنوياً.
المبالغ التي خصصتها الدول الأربع للأبحاث البيئية وبالذات لتخفيض انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون وغاز ثاني أكسيد الكبريت ليست بالقليلة فهي إن أُحسن استغلالها وفق خطة متكاملة ستكون لها نتائج إيجابية كثيرة على أصعدة عديدة تنعكس على عدد من أقسام الجامعات ذات العلاقة وعلى مراكز البحث إضافة إلى أنها تسهم في خلق الأجواء العلمية وتقاليد البحث العلمي وترسي أسس الاعتماد على القدرات الوطنية وتنميتها.
ومن المتوقع أن تتوزع البحوث التي رصدت لها هذه المبالغ على محورين:
1. البحث عن وسائل للتقليل من تسرب غاز ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت إلى الغلاف الجوي والبحث عن وسائل للاستفادة من هذين الغازين في الصناعة، أو إيجاد وسائل ذات جدوى اقتصادية لتحويلهما إلى مركبات أخرى غير ضارة و سهلة الخزن.
2. البحث عن بدائل للنفط كمصادر واعدة للطاقة في المستقبل، وهذا في الحقيقة أكثر أهمية من البحث عن وسائل الاستفادة من هذين الغازين. وفي هذا السياق فإن الطاقة النووية تطرح نفسها بقوة كأفضل خيار لمرحلة ما بعد النفط خاصة وأن دول مجلس التعاون الخليجي سبق لها وأن تبنت في اجتماع قادتها في الرياض في ديسمبر من عام 2006 توجهاً كهذا حين أوعزت بالبدء في إجراء دراسة مشتركة لدول المجلس لوضع برنامج مشترك في مجال الاستفادة من التقنية النووية للأغراض السلمية طبقاُ للمعايير والأنظمة الدولية، واستخدام الطاقة النووية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه وغير ذلك من الأوجه السلمية لاستخدامات الطاقة النووية.
كاتب عراقي