بفعل زيارتها الثامنة إلى تل أبيب ورام الله في مستهل نوفمبر الجاري، أصبح عدد جولات وزيرة الخارجية الأميركية المكوكية كوندوليزا رايس، الممهدة لملتقى أنابوليس هذا الخريف، مساوياً تماماً لتلك التي اضطلع بها سلفها جيمس بيكر أثناء إعداده لمؤتمر مدريد الشهير في خريف 1991.
مع هذا، لا نحسب أن رايس الأقل خبرة والأكثر استتباعاً لرئيسها بوش الابن صارت منافسا ندا لبيكر الأريب المحنك تحت زعامة بوش الأب. بيكر شق طريقه في أرض وعرة تكاد تكون بكراً لم يسلكها أحد على شاكلته من قبل.
لقد سعى إلى حشر كل أطراف الصراع الإسرائيلي العربي المباشرين وغير المباشرين في قاعة واحدة، وتعمد إقناع الجميع بأنهم بصدد البحث عن تسوية سياسية شاملة ونهائية لهذا الصراع.. وأن لكل منهم على حدة مصلحة مؤكدة في الحضور وعدم التخلف. وهو مارس ضغوطاً بين يدي هذا التوجه بدت للكثيرين متوازية ومتوازنة لأنه لم يستثن منها أحياناً الحليف الإسرائيلي.
من الأمثلة الشهيرة بهذا الخصوص أنه عندما تمنع إسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل أمام بعض المقترحات الأميركية، ألقى اليه بيكر بأرقام هواتفه وهواتف البيت الأبيض، طالباً إليه بتهكم مرير الاتصال بها عند الحاجة!. هذا علاوة على تلويح واشنطن بحجب اعتمادات بعشرة مليارات دولار كانت تل أبيب موعودة بها لتسهيل استقبال المهاجرين اليهود الروس المتدفقين وقتذاك.
كذلك لا يمكن الزعم بأن بيكر قد ابتدع صيغة مدريد في بيئة إقليمية ودولية مواتية تماما. فباستثناء مصر، لم يكن ثمة جبهة عربية خاضت في تجربة سلمية أو تطبيعية رسميا أو شعبيا مع إسرائيل. وكانت الأخيرة تعاني ازوراراً وجفولاً لدى معظم العواصم الإسلامية والعالمثالثية. وبالطبع لم تكن قضية القطب الأميركي الأوحد على قمة النظام الدولي قد استقرت بعد، ولا كان نفوذ واشنطن قد توحش عربياً ودولياً على النحو الذي نسمع ونرى.
أين هذه المعطيات المعاكسة تقريباً لجهود بيكر وبوش الأب من الأجواء الأكثر ملاءمة بكثير التي تحف بدبلوماسية رايس؟.. حيث يرزخ الفلسطينيون تحت صدوع مؤلمة داخلياً ويقاسون حصاراً مطبقاً إسرائيلياً وفتوراً ظاهراً عربياً.
وحيث بات حديث «التسوية والسلام والتطبيع» مع إسرائيل مسوغاً عند عواصم عربية وإسلامية، ناهيك عن انفراج العلاقات الحميمة بين إسرائيل ودول كبرى عالمياً من الهند والصين شرقاً إلى البرازيل غرباً. وحيث أضحى الاستصراخ الفلسطيني ضد الظلم الصهيوني باعثاً على الملل لدى محافل كثيرة اختلطت عليها المعايير.
وقبل ذلك كله وبعده يحق التساؤل عما يمكن أن تحتاجه الوزيرة الأميركية من نفوذ وأدوات حضور وضغط، زيادة على جيوشها التي تنتشر في بر المنطقة العربية وبحرها وفضائها وتحتل دولة إسلامية وأخرى عربية مركزية وتتربص بدول أخرى بالجوار.
إن مقارنة بين معطيات ومتغيرات زمنين وإدارتين، تجعل بيكر وبوش الأب بمثابة رجلين مكافحين غزلا سياستهما وعقدا مؤتمرهما (مدريد) بشق الأنفس، قياساً بالأجواء المرفهة التي تحيط برايس وبوش الابن وجهودهما.
رغم ذلك، فان رايس عانت وتعاني الأمرين لمجرد إقناع الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم بجدوى لقاء أنابوليس، وهي تبدو بالكاد وكأنها نجحت في هذه المهمة لدى قطاعات سياسية وشعبية شحيحة من هذين الطرفين. وإذا ما وسعنا دائرة النظر، تأكدنا من وجود شكوك وهواجس عربية وإقليمية ودولية كبيرة بشأن هذه الجدوى وهذا النجاح ومن حدوث اختراق فارق مهم على مسار التسوية الفلسطيني، دع عنك الحديث عن المسارات الأخرى التي قد لا يتم الاستطراد إليها.
على أنه لا ينبغي بخس السيدة الوزيرة حقها من العناية. بل ولعلنا بحاجة إلى تحري أسباب قصورها عن إدراك مقام بيكر وتجربته، محفوزين إلى ذلك باعتقاد خلاصته أن هذه التجربة على تفوقها لم تنج من سمات الفشل النسبي أيضاً، فكيف الحال بمحاولة رايس العتيدة؟!.
ربما لعب فارق الخبرة الذاتية دوره لصالح المخضرم بيكر. وقد يرد ارتباك رايس وبؤسها إلى كثرة الملفات الساخنة من حولها وبين يديها التي تزاحم الاهتمام بالشأن الإسرائيلي الفلسطيني. لكن المؤكد في كل حال أن غلبة المحدد الإيديولوجي على سياسات إدارة بوش الابن قد أثرت على مقاربة رايس لهذا الشأن.. والمعروف أن هيمنة الايديولوجيا ربما أعمت بصيرة السياسي وساقته إلى ما لا تحمد عقباها من التصرفات والسلوكيات والمعالجات.
يسترعى الانتباه أن رايس أدركت بعد لأي مدى تلبد الأجواء حول مؤتمرها وانعكاسات احتمال فشله على سياسات واشنطن الشرق أوسطية والدولية من جهة، وعلى سيرتها الشخصية ومستقبلها السياسي من جهة أخرى. نفهم ذلك من جنوحها للتواضع ولجوئها إلى مشورة بعض القامات السياسية البارزة من ذوى الخبرة والمساهمات في تراث التفاوض الإسرائيلي العربي بعامة؛
المساق الإسرائيلي الفلسطيني منه بخاصة..من قبيل الرئيسين السابقين جيمي كارتر وبيل كلينتون ووزراء الخارجية السابقين هنرى كيسنجر ومادلين أولبرايت ومساعديهم مثل دينيس روس، علاوة على بيكر مهندس مدريد .
من الواضح أن رايس اكتشفت أن خبرتها في الشؤون السوفييتية ثم الروسية لا تكفى للاضطلاع بالملف الفلسطيني وتعقيداته، وأنه ليس مما يشينها تلقي مزيد من المعلومات والدروس حول هذا الملف. هذا توجه حميد ينم عن همة عالية ورغبة جامحة في التعلم، لكن أحد أهم عيوبه أن سجل السادة الناصحين الذين تود الوزيرة إغناء تجربتها بمواعظهم ليس سجلاً للنجاح بالمطلق. وببساطة، لو كان هؤلاء ومن صنع صنيعهم من المسؤولين الأميركيين السابقين واللاحقين قد أفلحوا في معالجتهم للحالة الفلسطينية، لما وصل قطار التسوية معطوباً إلى محطة رايس وبوش الابن!
حقيق برايس والأمر كذلك، ألا تحتذي بأسلافها حرفياً وأن تتقصى إجابة للسؤال الأكبر: لماذا لم تبلغوا السلام الشامل والعادل في الشرق الأوسط وفى فلسطين بالذات ؟ إذا ما أخلص هؤلاء النصيحة والخبر، فسيقولون إن إدمان الإخفاق يعود إلى:
ـ الأخذ بسياسة توازن القوى لا توازن المصالح بين العرب وإسرائيل.
ـ إهمال القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وإتباع أهواء الرواية والسياسات الصهيونية الإسرائيلية للصراع مساراً ومصيراً.
ـ عزل الملف الفلسطيني عن مساق الصراع والتسوية وفقا لسياسة المسارات المتباعدة بين إسرائيل وكل من الدول العربية.
ـ اعتماد سياسة الخطوة خطوة والتباطؤ المفرط في تسوية أبعاد الصراع.
ـ تبني المفهوم الإسرائيلي للأمن والطأطأة له دون النظر لأمن العرب والفلسطينيين.
ـ الانصياع لحقائق الأمر الواقع المفروضة بمنطق القوة الإسرائيلي ثم محاولة شرعنة وتقنين هذه الحقائق وإملائها على العرب والفلسطينيين.
ـ الخلط بين مفهومي المقاومة والإرهاب بقدر عظيم من الاستحماق الحقوقي واللغوي والمنطقي.
ـ الميل إلى الحل العنصري على المسار الفلسطيني.
من يعنيه نجاح ثنائي رايس وبوش الابن في أنابوليس وما بعده، يفتح أفقهما الفكري السياسي على حقيقة أن المطلوب هو عكس هذه التصرفات والانطلاق في عملية التسوية بأقل القليل من الانحياز الأعمى للطرف الإسرائيلي. هذا وإلا انضم هذا الثنائي إلى قائمة الناصحين المحبطين بعد انتهاء ولايتهما في مستهل 2009.
كاتب وأكاديمي فلسطيني