الدور الروسي في الشرق الأوسط ينمو تدريجيا وبشكل مطرد، وقد كانت إسرائيل هي العائق الرئيسي أمام نمو هذا الدور لأنها على يقين أنه لن يكون أبدا لصالحها حتى ولو لم يكن ضدها بشكل قاطع، لقد شاء القدر منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي أن تكون موسكو في صف العرب طالما واشنطن في صف إسرائيل.
هذا على الرغم من أن علاقات روسيا بالعرب لا تقارن بأي شكل من الأشكال بعلاقات إسرائيل بالولايات المتحدة الأميركية، ولكن هذا أمر لا يجب البحث فيه الآن بعد أن تغيرت الأوضاع والسياسات والأيديولوجيات وأيضا المصالح.
حيث من الخطأ الكبير الآن التعامل مع روسيا على أنها الاتحاد السوفييتي السابق، ومصالح روسيا في الشرق الأوسط لم تعد مثل ما كانت في الزمن السوفييتي، ولروسيا الآن مصالح كثيرة مع جميع دول المنطقة بما فيها إسرائيل، ولكن هذا لا يمنع أن يكون لروسيا أيضا توجهات سياسية في الشرق الأوسط لا تقبلها واشنطن ولا تل أبيب، والحرب في العراق خير مثال على ذلك.
كما أن الموقف من إيران واضح للجميع، ولكن موسكو حريصة في الشرق الأوسط على خلق توازن في القوى بين كل الأطراف سعيا لتحقيق الأمن والاستقرار في هذه المنطقة التي أصبحت مصدرا لصداع حاد وشبه مزمن للمجتمع الدولي كله.
عندما تساعد روسيا دولة في الشرق الأوسط وتعطيها السلاح للدفاع عن نفسها فإنها لا تسعى فقط لإثبات وجودها بقدر ما تسعى للحد من تصعيد ألأزمات في المنطقة، هذا التصعيد الذي تجيد واشنطن تكريسه لخدمة مصالحها، وعادة ما يأتي على حساب مصالح الكثيرين الآخرين بما فيهم روسيا نفسها.
عندما أيدت موسكو حركة حماس ودعت قادتها لزيارة روسيا مطلع العام الماضي لم تكن تقصد من ذلك استفزاز إسرائيل وأميركا بل كانت تريد تكريس مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها وحق الشعب الفلسطيني في اختيار القيادة التي يريدها وبشكل ديمقراطي، وكانت موسكو تعلم جيدا أن محاصرة حماس وعزلها وحرمانها من ممارسة عملها كحكومة منتخبة بشكل ديمقراطي إنما كان سيؤدي بالقطع إلا نفاد صبر حماس وانفجارها، وهذا ما حدث.
وعندما دعمت موسكو دمشق وقدمت لها السلاح لتدافع به عن نفسها إنما كانت تدعم بذلك مبدأ عدم الاعتداء على سيادة الدول وخرق حدودها، وهو ما تفعله إسرائيل مرارا وتكرارا مع سوريا بغاراتها العسكرية غير المبررة عليها، هذه الغارات التي تستهدف ليس فقط أمن سوريا بل أيضا إرادتها وقرارها السياسي.
الآن تعود إسرائيل للتقرب من روسيا تطلب عونها في قضايا شائكة لا تستطيع واشنطن أن تحسمها، ومنها الملف النووي الإيراني، وأيضا قضية السلاح الروسي الذي أصبح متواجدا بشكل فعال في أيدي من لا تحبهم إسرائيل، وتخشى تل أبيب استمرار هذا الحال حتى يأتي اليوم الذي تجد فيه فصائل المقاومة العربية بمختلف أطيافها في فلسطين ولبنان وغيرهما تملك من السلاح ما تستطيع به أن تهدد أمن إسرائيل بشكل كبير.
وهذا ما حدث في حرب صيف 2006 مع حزب الله اللبناني، ولهذا تسعى إسرائيل الآن للتقرب من موسكو بشكل ملحوظ بهدف التفاهم والتنسيق معها حول هذه القضايا، وعلى ما يبدو أن تل أبيب قد تنازلت أخيرا مرغمة على إعطاء الدور الروسي بعض الفاعلية في الشرق الأوسط، ولكن على ما يبدو أيضا أن موسكو تريد المزيد.
وقد زار نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر سلطانوف إسرائيل في منتصف نوفمبر، وقيل ان سلطانوف ذهب ليبحث مع الإسرائيليين بعض الأمور المتعلقة بمؤتمر أنابوليس المزمع عقده قريبا بين العرب والإسرائيليين. إلا أن هناك معلومات تفيد أن المسؤول الدبلوماسي الروسي ذهب ليبحث مع المسؤولين الإسرائيليين موضوعا آخر أكثر أهمية يتعلق بعقد مؤتمر خاص بقضية الشرق الأوسط في العاصمة الروسية موسكو.
وهي الفكرة التي كان قد طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما زار الشرق الأوسط في ربيع 2005. ورفضت إسرائيل حينذاك الاقتراح الروسي. وجاء الرفض الإسرائيلي في إطار الإصرار الإسرائيلي على الاستعانة بالوسيط الأميركي وحده في الحوار مع الفلسطينيين.
بيد أن موسكو التي لا تريد أن تكون عملية السلام في الشرق الأوسط وقفا وحكرا على واشنطن، قامت بتطوير الفكرة وأضافت لها بعض المغريات للجانب الإسرائيلي، حيث اقترحت موسكو أن تقوم بدور وساطة في تسوية النزاع بين سوريا وإسرائيل، لاسيما وان كثيرين في إسرائيل أمثال وزير الدفاع ايهود باراك باتوا يقولون إن سياسة الضغط الأميركية تجاه سوريا سوف تؤدي إلى دفع سوريا إلى أحضان إيران.
وان الأفضل لإسرائيل أن تحاول التوصل إلى اتفاق مع دمشق قبل أن تستفحل الأوضاع وتجد نفسها أمام تحالف سوري إيراني لا طاقة لها به، أي أن إسرائيل تريد أن تمارس مع دمشق سياسة الاحتواء من الآن حتى تضمن حيادها في المستقبل في أي نزاع مع إيران قد يصل إلى دخول إسرائيل بجانب واشنطن في صدام عسكري مع طهران.
وربما لهذا يتوقع البعض أن يوافقوا في إسرائيل الآن على أن تتوسط موسكو بين بلادهم وسوريا، خاصة وأن موسكو تحافظ على علاقات وثيقة مع سوريا تجعلها محل ثقة من النظام السوري.
ولم يكن سوى عائق واحد يعرقل عقد المؤتمر السوري الإسرائيلي في موسكو وهو عدم رغبة واشنطن في التخلي عن دورها، دور الحَكَم العالمي، أو تقليله بالتنازل عن جزء منه لصالح أي كان وخصوصا روسيا، إلا أنه على ما يبدو أن الولايات المتحدة أيضا قد فهمت هذه المرة أنها قد تضطر لقبول الاقتراح الروسي.
والسبب هو أن واشنطن واجهت صعوبات كثيرة في التحضير لاجتماع انابوليس. وبات معلوما مثلا أن سوريا وحركات المقاومة الإسلامية الفلسطينية عقدتا العزم على تنظيم مؤتمر مواز مناهض لاجتماع انابوليس في دمشق بمشاركة القوى المناوئة لإسرائيل.
وهناك معلومات مفادها أن موسكو تمكنت من إقناع دمشق بالعدول عن هذه النية، فيما تمكن يفغيني بريماكوف رئيس الغرفة التجارية الصناعية الروسية ومبعوث الرئيس بوتين الشخصي من إقناع الرئيس السوري بشار الأسد بإرسال مندوبه إلى انابوليس. وفي المقابل تأمل دمشق في أن تضمن الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل عقد المؤتمر الخاص بتسوية النزاع السوري الإسرائيلي في موسكو والذي قد يمثل أول خطوة تخطوها سوريا نحو استرداد مرتفعات الجولان.
جامعة سيبيريا
