أشعر أحيانا بأننا نعيش حالة لهاث خلف كل ما نسمع عن وجوده في الغرب، ولا يهدأ لنا بال حتى نحصل عليه، «ونستفيد» منه، ولكن حين يصلنا ذلك الجديد ـ أو نصل إليه ـ نحرفه عن مسار استخدامه الحقيقي، ونوجد له استخدامات أخرى، أو إن كان له عدة استخدامات فإننا ننظر إلى جانب واحد من استخداماته المتعددة هذه، ونغفل عن البقية.
أكتب هذا وأنا أفكر في موضوع الجراحات التجميلية التي انتشرت في دول العالم العربي مؤخرا، إذ يبدو التهافت عليها مثيرا للانتباه، وخلفيات هذا التهافت أيضًا تثير الانتباه أكثر.
قبل مدة، أخبرتني إحدى صديقاتي أن زوجة أخيها التي تعمل جرّاحة تجميل في إحدى الدول الخليجية الشقيقة تحصد مبالغ خيالية من عملها هذا بسبب الإقبال الشديد الذي تحظى به جراحات التجميل بين نساء ذلك البلد. وقد أثارني هذا الكلام جدا.
خصوصا أن النساء في تلك الدولة يمتلكن جمالا خاصا وملحوظا يُحسَدن عليه بالفعل، وبمزيد من الاستفسار عرفت أن كل امرأة تأتي إلى عيادة هذه الجراحة تطلب منها أن تجعلها شبيهة بإحدى الفنانات العربيات أو الغربيات، أو تحضر معها صورة وتطلب منها أن تغير أنفها، أو شفاهها، أو غير ذلك، لتصبح مثل المرأة في الصورة، -التي غالبا ما تكون فنانة معروفة ـ.
وهذه لا شك مصيبة، لأن المرأة العربية كانت حتى فترة قريبة تشعر برضى وزهو تجاه جمالها الذي كان موضع غزل الشعراء قديما وحديثا، وبمجرد أن تشعر الآن أنها ليست جميلة، أو أنها في حاجة إلى إجراء تعديل ما حتى تصبح جميلة أو أكثر جمالا فإن هذا دليل على أنها تستجيب لمقاييس الجمال الغربية، في سياق الانسلاخ العام من الهوية والذات.
ولكن المصيبة الأكبر هي في كون هذه المطالبة بالتعديلات التجميلية والخضوع للجراحات استجابة لمطلب ذكوري، فمعظم النساء المقبلات على تلك العمليات الجراحية يخبرنها أن الزوج سبب رئيسي من أسباب اللجوء إلى الجراحة التجميلية، لأنه يريد أن تشبه زوجته فلانة أو علانة.
أو لأنه هددها إن لم تهتم بنفسها وتصبح مثل هؤلاء النساء اللواتي يزيّنّ الشاشات الفضية والماسية بالطلاق، أو بالزواج عليها، أو على أقل تقدير لن يسعى للشفاء من إدمان مشاهدة الأفلام والمسلسلات والبرامج من أجل إمتاع العين برؤية الجمال!
ولأن فئة من النساء لا تشعر باكتمالها إلا وهي مقترنة برجل، حتى إن عاملها هذا الرجل على أنها قطعة يمتلكها، ويجب على هذه القطعة أن تكون جميلة، وإلا رماها في أقرب سلة مهملات، ولأن الجراحات التجميلية أصبحت منتشرة في معظم مدن الوطن العربي.
ولم تعد المرأة تحتاج إلى سفر من دولة إلى أخرى لإجراء تلك الجراحة، فإنها سرعان ما تبدأ في البحث عن الحل السحري السريع، الذي سيعيد إليها زوجها، وفي نفس الوقت يعيد إليها ثقتها بنفسها!
هذا كلام نسمعه من بعض النساء اللواتي يبررن لجوءهن إلى الجراحات التجميلية، وإني لأعجب من الثقة التي ستجدها الواحدة منهن في نفسها وقد أصبحت لا تجد نفسها أساسا، فكثير من الجراحات تغير الشكل الخارجي على نحو يجعل الشخص لا يعرف نفسه، فكيف يمكن أن يعيد بناء علاقته بنفسه بعد ذلك؟
والأهم من ذلك هو أن بعض الجراحات التي هي للتجميل أساسا نجدها تحدث نتيجة عكسية، فتصبح جراحة تقبيحية، أو تشويهية، ولا أعلم كيف يمكن لإنسان اعتاد على رؤية نفسه بقدر من جمال رباني أن يتقبل نفسه وقد فقدت ذلك القدر بسعي منه شخصيا.
إن لجوء النساء في أي مكان في العالم إلى إجراء جراحات تجميلية يُسوَّغ بمبررات مختلفة ظاهريًا، ولكنها في واقع الأمر تلتقي عند نقطة واحدة، هي السعي وراء الجمال! ولكن ما قيمة الجمال إن كان مصنوعا، ـ أو إن كان مجلوبا بتعبير المتنبي ـ ؟
لا يهمني هنا أن أتحدث عن هذه العمليات من حيث أهميتها أو أضرارها أو أي تفصيل دقيق يتعلق بها، ولكن الذي يهمني هو الحديث عن هذا الإقبال الزائد عليها جدا في عالمنا العربي، وبين مواطني ومواطنات دول الخليج تحديدا، على نحو يجعلنا نتساءل: أأصبحنا لا نشعر برضى تجاه أشكالنا إلى هذا الحد؟ وهل نحتاج إلى إجراء جراحات تجميلية حتى نشعر بالرضى من أنفسنا؟
لقد ظهرت الجراحات التجميلية أول ما ظهرت من أجل تجميل التشوهات الخلقية، أو التشوهات الناتجة عن الحرائق، أو الحوادث، أو ما شابه ذلك من الأمور الطارئة التي تحدث تشوّها للإنسان، يسبب له ضررا نفسيا أو جسديا، ويتطلب التدخل الجراحي لإزالته.
ولا يزال هذا هو جوهر الجراحات التجميلية حتى اليوم، في حين كان الشق التجميلي الصرف، وهو المتعلق بعمليات الشد والنفخ وما شابه ذلك يقع على هامش هذه الجراحات، أي أنه كان أمرًا ثانويًا في البداية.
ولكن يبدو أن الهامش تفوق على المتن، وأصبحت العمليات التجميلية الخاصة بالسعي نحو الجمال، أو بطلب قدر أكبر منه، تلقى رواجا أكبر من العمليات التي تعالج تشوها حقيقيا أيا كان مصدره.
وحين تكالبنا على الجراحات التجميلية، وبدأت بواكيرها تظهر عندنا، وبدأت عياداتها تنتشر انتشار النار في الهشيم، فإن كل ذلك كان من أجل الشق التجميلي الصرف، أي الهامش، الذي أصبح متنا عندنا، بفضل زبائنه من النساء الساخطات على أنفسهن، أو المستسلمات لسخط أزواجهن عليهن.
والأَمَرّ من كل هذا هو أن تحدث إحداهن تغييرًا واضحًا وضوح الشمس في وجهها على سبيل المثال، ثم تنكر حين تُسأل عن ذلك، وكأنها تظن أن الآخرين غير قادرين على التمييز.
هذا ما يحدث مع «الفنانات» اللواتي أصبح الفن بالنسبة لهن استعراض الأجساد والملابس والمجوهرات والماكياج، مع غياب حقيقي للأداء الفني التمثيلي، وحين تُسأل أي منهن عن إجراء عملية تجميل لأنفها أو شفاهها -وهي مواضع شديدة الوضوح ـ فإنها تنكر بإصرار، وكأن المشاهد غبي أو أعمى.
الإنكار أو الإقرار بحد ذاته ليس مهما، لكن المهم هو أن يفعل الإنسان ما يقتنع بصوابه، فحينها لا يمكن أن ينكره أو أن يسعى لستره،.. الشيء الوحيد الذي ينكره هو ما يقتنع بخطئه وعدم صوابه، ويشعر أنه يجب عليه أن يستره بستار ثقيل حتى لا يصل إلى الآخرين، ولهذا السبب تنكر المرأة عملية التجميل حتى إن كانت واضحة وضوح الشمس.
الله جميل يحب الجمال، هذه حقيقة مؤكدة، ولكن الله يحب أن نحافظ على الصورة التي خلقنا بها، ولذلك جاءت الأحاديث الكثيرة التي تنهى عن الوصل، والوشم، والنمص، والوشر، والتفليج، وغيرها من الأفعال التي من شأنها تغيير خلق الله.
إننا نسعى إلى أخذ كل جديد يفد إلينا من الغرب، ولكننا غالبًا ما نأخذ جانبًا واحدًا منه فقط، يعود على بعضنا بالمتعة، وعلى بعضنا الآخر بالمال.
هذا ما حدث مع قنوات البث الفضائي، التي أخذنا منها جانبها الإمتاعي، وأغفلنا جوانبها الأخرى التي تصلنا بالآخر، وتعرفنا به وتعرفه بنا، وتعمل على مدّ جسور التواصل بين شرق العالم وغربه.
كما تكرر الأمر نفسه مع شبكة الإنترنت التي أخذنا منها جوانبها السلبية وأغفلنا جوانبها الإيجابية، حتى إن كثيرا من الدراسات أفادت بأن النسبة العظمى من مستخدمي الشبكة العرب (وعددهم في الأساس قليل لدرجة مخزية مقارنة بغيرهم) تتصل بالشبكة للدخول إلى المواقع المحظورة، مجتهدة بإخلاص في اختراق الحظر المقام ضدها بطرق كثيرة، حتى تصل إليها.
وتطول القائمة لتؤكد لنا أننا دائما حريصون على التواصل مع المنجزات العلمية، ولكن لأسباب أبعد ما تكون عن تلك التي توجد من أجلها أساسًا في بيئاتها الأولية.
جامعة الامارات