لا يمر أسبوع إلا وتنقل وسائل الإعلام الجزائرية أنباء عن عمليات ينفذها ما يطلق عليه تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتعتبر الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية هي العصب الأساسي لهذا التنظيم، الأمر الذي يعني أن الجزائر هي الدولة الأكثر تعرضا للتهديد من هذا التنظيم.

ويبدو من سياق الأحداث أن التنظيم يكتسب زخما يوماً عن يوم، ولكن الصحف الجزائرية تتعامل مع هذه العمليات باعتبارها تعبر عن إخفاق التنظيم وأنها تعبر عن حالة من انعدام الوزن، بل ووصل الأمر بواحدة من الصحف الجزائرية أن قالت بعد واحدة من العمليات أنها تعبر عن: «إخفاق جديد لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».

ومن هذا الخلط في التعامل مع الإحداث وأيضا مع التنظيم. نستطيع القول إن هناك فريقين في توصيف التنظيم الأول يتعامل معه على اعتبار انه شبح ليست له أية خطورة وانه يلفظ أنفاسه وعملياته تعبر عن يأس عناصره وأنها تمارس فقط ضد المدنيين بعدما فشل في مواجهة الجيش النظامي وقوات الأمن.

أما الفريق الثاني فيتعامل مع التنظيم باعتباره يشكل خطراً كبيراً على الأنظمة السياسية ليس في الجزائر فقط ولكن في كل منطقة المغرب العربي أي في كل من ليبيا وموريتانيا وتونس والجزائر والمغرب.

وينطلق أنصار هذا التحليل من عاملين أساسيين الأول هو أن تنظيم القاعدة يعبر عن حالة سياسية واجتماعية واقتصادية، ونتاج لظروف متشابكة وبالتالي فان بقاء هذه الظروف في الدول التي ينتمي لها عناصر التنظيم، وبالتالي فان التنظيم سيظل موجودا وخطيرا مادامت هذه الظروف مستمرة.

أما العامل الثاني فهو أن الجماعات التي تمارس العنف وعلى رأسها الجماعة السلفية للدعوة والقتال إذا كانت قد أصابها الوهن والضعف منذ عامين وبسبب الحرب الغربية على الإرهاب والذي استفادت منه الأنظمة التي تناهضها بتصويرها مواجهتها لهذه الجماعات باعتباره يندرج في الحرب ضد الإرهاب.

فهي قد اكتسبت زخما كبيرا واستطاعت أن تجدد دماءها عندما أعلنت عن انضمامها لتنظيم القاعدة وإعلانها عن تأسيس تنظيم جديد ومشترك فيما بينها أطلقت عليه اسم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي أصبح إقليمي ويهدد كل الدول التي تقع في إقليم المغرب العربي.

وان كانت الجزائر في مقدمة الدول المهددة نظرا لاعتبارين أساسيين: الأول أن التنظيم أعلن في بداية تأسيسه عن أن النظام الجزائري في مقدمة المستهدفين من عملياته: والثاني أن العصب الأساسي للتنظيم هو الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي تعرف كل شيء عن الجزائر طبوغرافيا وجغرافيا واجتماعيا وامنيا.

ومن يتابع أنصار التحليلين سوف يلاحظ أن هناك فجوة كبيرة في رؤية كل منهما لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وهو الأمر الذي يعكس خلافا أيديولوجياً كبيراً في تعامل العقل العربي مع الجماعات الأصولية خاصة تلك التي تمارس العنف ضد المجتمع.

وما نستطيع أن نقوله هو ان الاستخفاف بالتنظيم أمر غير مقبول من الناحية السياسية، لان من يتابع عملياته وما يحدث في داخله سوف يلاحظ القدرة الكبيرة المتوفرة لديه على التكيف مع معطيات الواقع وتطوراته، فقبل أسابيع أزاح التنظيم أميره المدعو عبد المالك دروكدال، وقالت إن المدعو أحمد هارون حل محله في إمارة التنظيم.

وأرجعت إبعاد دروكدال من قيادة القاعدة إلى عدم قدرته على مسايرة توجهات القاعدة العالمية المبنية على استهداف المصالح الأجنبية والابتعاد عن استهداف المدنيين، بالإضافة إلى عجزه عن تجنيد المقاتلين في صفوف التنظيم. وهذا التحرك من قبل التنظيم يعني انه لا يلفظ أنفاسه الأخيرة حسب تحليلات الصحف الموالية للحكومات المغربية.

وفى نفس الوقت فان المبالغة في قوة التنظيم هي أمر غير حقيقي لان تشكيل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي كان في أساسه محاوله من التنظيمات الإسلامية التي تعبر عن فكر وممارسة ما يطلق عليه السلفية الجهادية للخروج من مأزق كان يواجهها.

وكانت له عدة وجوه تمويلية وعسكرية ولوجستية، وهو الأمر الذي دفعها للبحث عن مخرج وجدته في الإعلان عن تشكيل تنظيمها الذي هو في الأساس جناح إقليمي لتنظيم القاعدة الدولي. من هنا يمكن القول إن المأزق الذي يواجهه «القاعدة في بلاد المغرب» هو في الأساس نفس المأزق الذي يواجهه التنظيم الكبير الذي يتزعمه أسامه بن لادن.

ومن الممكن القول إن التنظيم يمثل تهديدا كبيراً للأنظمة المغاربية لكنه في نفس الوقت قد يؤدى إلى دفعها إلى تناسي خلافاتها التوحد معا من اجل التعامل الجماعي مع القاعدة وهو الأمر الذي يعني أن قوة القاعدة قد تكون سلاحا ذا حدين، أي لصالح التنظيم وضده وهو الأمر الذي يعني أن حالة تنظيم القاعدة حالة مركبة لا يمكن التعامل معها باعتبارها حالة بسيطة وهذا للأسف هو السلوك الطاغي على التحليلات العربية الخاصة بهذا التنظيم.

وبالتالي فانه لا حالة «الوهمية» أو «الشبحية» التي تحاول بعض التحليلات أن تسيدها، ولا حالة المارد التي تحاول تحليلات أخرى أن تجعلها تهمين على الفضاء الإعلامي هما الاثنتان غير صحيحتين على الإطلاق، وإنما يجب أن يوضع التنظيم في وضعه الطبيعي ومن دون أية مبالغات.

وهو ما يتطلب أن توضع في قالبها الصحيح باعتبارها واحدة من تجليات الحالة الإسلامية خاصة المتعلق منها بالسلفية الجهادية، وهي حالة نتاج ونبت للتسعينات من القرن الماضي ومن توابع حربي الخليج الثانية وما واجهه تنظيم القاعدة الإسلامي في أفغانستان بعد إحداث 11 سبتمبر 2001.

من دون ذلك ستظل التحليلات العربية تدور حول نفسها وتظل أسيرة فكر واحد من دون أي تقدم في التعامل مع التنظيم ومواجهته والقضاء علية. فالقضاء على التنظيم يتطلب أولا التوصيف الصحيح له ووضعه في مكانه الطبيعي ثم التقدير الدقيق لقوته بعيدا عن تهويلات الإعلام أو تهويماته.

كاتب مصري