تستحق وثيقة «ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم» لمؤلفها الدكتور سيد إمام الشريف أن تكتب بماء الذهب، فعلى الرغم من كونها كتابا صغيرا يقع في 110 صفحات إلا أن الوصول اليها استلزم نحو 20 عاما من مصارعة طواحين الهواء، أريقت خلالها دماء مئات الآلاف من الشباب المسلم في صراعات عبثية مع الحكومات من جهة ومع قوى عالمية باطشة.

من جهة أخرى أتاحت لها أن تغزو بلدين مسلمين وأن تهرق دماء أطفال ونساء وشيوخ أبرياء، ليس ذلك فحسب بل مكنت أدبيات سابقة (على رأسها مؤلفات الكاتب نفسه) أعداء الإسلام من تشويهه ومن تزكية ظاهرة «الإسلام فوبيا» في أربعة أركان العالم.

تنبع أهمية الكتاب ـ الوثيقة من كاتبه فهو عالم فذ في الشريعة، غير محب للظهور الإعلامي ولا التباهي بتأثيره في أوساط الشباب المسلم، مثل كتاباه «العمدة في إعداد العدة» 1988 و«الجامع في طلب العلم الشريف» 1993 دستورا وأساسا فكريا استندت إليه أغلب الحركات الجهادية في عالمنا الإسلامي المعاصر من شرقه إلى غربه.

كما أنه صاحب تجربة حركية واسعة فقد كان زعيم جماعة الجهاد المصرية قبل أن يتولاها أيمن الظواهري ويتجه بها نحو تنفيذ عمليات لاغتيال المسؤولين المصريين، كما أنه صاحب فكرة زرع المصريين حول أسامة بن لادن للاستفادة من إمكاناته المادية في دعم الجهاديين، وهو أستاذ الظواهري ثاني أهم المطلوبين في العالم والمسير الفعلي لحركة مجموعات القاعدة بعد مرض أسامة بن لادن.

ولا ينقص من قدر سيد إمام الشريف أنه ألف كتبا ثم تراجع عنها، فذلك ما فعله قبله حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، فالتبحر في العلم الشرعي غالبا ما يخرج صاحبه من ضيق التشدد إلى رحابة التسامح الإسلامي الصافي، ومن مصالح «جماعة المسلمين» وحدهم إلى مصالح الإنسانية الأسمى.

وهو ينطلق بمراجعاته من فقه الواقع ويعترف بأن صدامات «الجهاديين» مع الحكومات ومع الدول العظمى خالطتها « كثير من المخالفات الشرعية مثل القتل على الجنسية والقتل بسبب لون البشرة أو الشعر والقتل على المذهب.

وقتل من لا يجوز قتله من المسلمين ومن غير المسلمين، والإسراف في الاحتجاج بمسألة التترس لتوسيع دائرة القتل، واستحلال أموال المعصومين وتخريب الممتلكات» مؤكدا أنه «لا شيء يجلب سخط الرب ونقمته كسفك الدماء وإتلاف الأموال بغير حق».

كما ينقض سيد إمام الشريف مبدأ الغاية تبرر الوسيلة والذي اعتمدته الجماعات الجهادية كثيرا وتسبب في مآسٍ لا تحصى بقوله «أما أن يضع المسلم لنفسه هدفًا وإن كان في أصله مشروعًا ولكن فوق طاقته ولا يناسب حاله ثم يسلك أي وسيلة لتحقيق هدفه غير متقيد بضوابط الشريعة فهذا قد قدم مراد نفسه على مراد ربه» فليس في الإسلام أن الغاية تبرر الوسيلة، بل المسلم يتعبد لله بالوسائل كما يتعبد بالغايات.

ولأن سيد إمام الشريف، أو الدكتور فضل، أو عبد القادر بن عبد العزيز كما كان يلقب حركيا يحظى بثقة واسعة، ولم يؤلف كتابه الوثيقة الذي يراجع فيه أفكار الجهاد السابقة التي وضعها تحت ضغط أو إكراه.

وإنما شرع فيه قبل أن تسلمه اليمن لمصر عام 2002 فإنه يتوقع أن يكون ذا تأثير كبير على الجهاديين في كل أنحاء العالم، ليغلق صفحة عداء وتربص طالت مع السلطات المصرية، ويدفع آلافا من الهاربين الذين يخوضون صداما لا طائل من ورائه مع حكوماتهم أو مع قوى عالمية متجبرة إلى مراجعة أنفسهم وعدم الانسياق في طريق اتضح لهم بطلانه..

فدعوته واضحة إلى ترك كل أنواع «الجهاد المريب» الذي كانوا يمارسونه في السابق والالتفات إلى جهاد الأعداء المحتلين وفق ضوابط تتيح للمسلم أن يبرز الوجه الناصع لدينه، فلا أحد استطاع أن يصم عمر المختار أو عبد الكريم الخطابي أو عز الدين القسام أو عبد القادر الجزائري بالإرهاب، وإنما سطروا بأعمالهم تاريخا من نور في مقاومة المستعمر.

بعد مراجعات الجماعة الإسلامية قبل سنوات ومراجعات الجهاد اليوم آن أن تراجع الحكومات التي كانت تخوض عداء ضد التيارات الإسلامية نفسها، وأن تغير أساليبها في التعامل مع شبابها الغاضب وتحتويه بالحسنى.

فممارسات السلطة هي التي لعبت الدور الأكبر في الأخذ بيد جيل كامل إلى التشدد والغلو، عبر التعامل الأمني الفظ والفساد وفشل خطط التنمية والتبعية للخارج، وعدم وجود مشروع قومي أو مشاريع وطنية تجعل الشباب أكثر ثقة في الغد.

magdishendi@hotmail.com