ما زالت صور المرشحين ولافتات برامجهم السياسية التي انتشرت بانتشار النخيل على امتداد شوارع الدولة، وعانقت سماء الدولة في عرس جماعي امتد من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، مازالت عالقة في مخيلتي.
وتلك البرامج التي زينت صفحات الصحف المحلية بمصابيح تبشر عن حركة وطنية مجتمعية جديدة، تعد وتبشر بأن تقدم أفضل الحلول والاقتراحات لأهم المشكلات التي يئن منها المجتمع، مازالت هذه البرامج كذلك عالقة في ذهني.
وما زال ذلك الانتصار الانتخابي الذي حققته المرأة الإماراتية بانتخاب أول امرأة إماراتية ذلك النجاح الذي يعتبر الأول من نوعه ليس على مستوى الدولة بحكم التجربة الجديدة وإنما هو الأول كذلك على مستوى الانتخابات البرلمانية في دول الخليج، بالإضافة إلى الثماني الأخريات المعينات، واستحواذ النساء على ما يقارب أربعين في المائة فهذه الأرقام والنسب كذلك ما زلت أذكرها.
واستبشرنا خيراً بالعمل النسوي على مستوى الدولة، فقلنا إن هناك أصواتا ستحمل على عاتقها هموم نون النسوة وتوصلها إلى صناع القرار وهذه الأمنيات كذلك وغيرها مازالت تبارح مخيلتي. ومازال ذلك العرس الديمقراطي التي شهدته دولة الإمارات العربية المتحدة في عيدها السادس والثلاثين حتى ولو ولد قاصراً
وذلك عندما اقتصرت العملية الانتخابية على هيئة معينة مختارة من فئات الشعب لتمارس هي وحدها فقط دون باقي الشعب عملية الاقتراع التي انتخبت عشرين عضواً في المجلس الوطني. ولكن مازال ذلك العرس الجميل يذكره الجميع.
استبشرنا خيراً بذلك التطور السياسي الذي شهدته الدولة واستبشرنا خيراً بتلك النسب واستبشرنا خيراً بذلك التفاعل المجتمعي الذي صاحب الحملات الانتخابية للأعضاء وهي النقطة الأهم والتي لا طالما حلمنا بها كثيراً وتمنيناها وحملتها أقلامنا وألسنتنا فترات طويلة ورددناها كثيراً سواء من خلال المقالات أو الأبحاث أو الندوات والاجتماعات.
ولكن توقفت ساعة الزمن المحسوبة من عمر التطور السياسي الذي شهده المجلس الوطني منذ تلك اللحظة التي أدى فيها الأعضاء اليمين البرلمانية، وبعدها لم نسمع أو نرى أو نلمس أي أثر يذكر في هذا المجال. وكأن هناك ستارا من الصمت والسكون أسدل على آخر مشاهد التحول السياسي الذي شهدته المؤسسة البرلمانية في الإمارات.
عدا التصريحات الأخيرة التي صرح بها الفريق ضاحي خلفان تميم معاتباً فيها أداء المؤسسة البرلمانية، وردود المجلس الوطني إزاء هذه التصريحات التي حركت المياه الراكدة ووضحت الصورة نوعاً ما أمام المجتمع.
ما أود أن أؤكد عليه من خلال هذه المقالة ليس سير عمل المجلس الوطني، وهو ما يتعلق بمراقبة الحكومة ومناقشة القوانين والقضايا المهمة التي يعج بها المجتمع ويئن من تداعياتها أفراد المجتمع ليل نهار. يعمل المجلس وفق الصلاحيات الدستورية الممنوحة لديه . ولكن عتبنا على أعضاء المجلس أن عطاءهم كان دون المستوى المتوقع منه.
يدعون أن هناك قواعد دستورية تحد من قدرة المجلس أن يلعب دوره التشريعي المطلوب ، صحيح ما يدعونه، ولكن معظم الأعضاء جاء في برامجهم الانتخابية قضية المطالبة بتعديلات دستورية تمنح المجلس أدوارا تشريعية أكبر وصلاحيات أكثر، أين وصلت إجراءاتهم في ذلك؟ هذا ما نود أن نسأل عنه؟
والقضية الأخرى وهي الأهم بالطبع قضية التواصل المجتمعي بين الأعضاء وشرائح المجتمع المختلفة. فهذه الظاهرة أرى إننا نفتقدها في مجتمع الإمارات والتي هي من أولويات العمل البرلماني وخاصة في شقه الانتخابي.
فالتواصل والاتصال قضايا مهمة جداً وخاصة للبرلمان بحكم طبيعته الجماهيرية، فالبرلمان هو لسان الشارع وناقل همومه لصانع القرار، فلا بد على أعضاء المجلس وخاصة المنتخبين منهم ،على إيجاد قنوات اتصال مجتمعية بينهم وبين الشرائح المختلفة التي قامت بانتخابهم.
وعلى الرغم بأنني لست ضليعة في وسائل الاتصال، إلا إنني سأذكر الوسائل التي من البديهي أن يعرفها الأشخاص العاديون، فما بالكم بالأعضاء وخاصة المنتخبين والذين لولا أصوات المرشحين لما وصلوا إلى مقاعد البرلمان.
تتعدد ماهية الاتصال فإما أن تكون على نطاق الإمارة بحيث يحرص كل عضو على الاجتماع بأبناء إمارته ينقل همومهم ومشكلاتهم وآمالهم، وإما أن يكون الاتصال عن طريق تبني العضو لقضية معينة تهم المجتمع وبالتالي يجتمع مع الفئة التي تهمها هذه القضية أو المشكلة (كقضية السكن أو ارتفاع الأسعار أو التعليم.. الخ)،
وتهتم العضوات النساء كذلك بتبني قضايا المرأة في الإمارات وتنشط في هذا المجال على أساس تتبلور ملامح لحركة نسوية واضحة المعالم في الدولة جادة ومجتهدة بنقل ومناقشة قضايا المرأة ويكون لهم اتصال واضح ببعض مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بهذا الموضوع .
أما عن كيفية الاتصال فإما أن يكون عن طريق فكرة (المجالس) على غرار الديوانيات في الكويت أو أن يكون عن طريق تنظيم محاضرات أو ندوات مخصصة للأعضاء تقوم بها الأمانة العامة للمجلس، أو إدلاء تصريحات للصحف أو المجلات، أو تأسيس مواقع إلكترونية تحتوي على منتديات ولقاءات بين العضو والجمهور.
هذه مجرد أمثلة. واعتقد أن أفكار الاتصال عديدة ومتنوعة وكثيرة وخاصة في عهد الطفرة التقنية والإعلامية التي نعيشها اليوم. صحيح أن المجلس يحظى بإعلام برلماني، وقد حصل الموقع الإلكتروني للمجلس على أفضل جائزة تمنح للمواقع البرلمانية إلا إنني اعتقد أن هذا ليس كافياً قياساً بمستوى ومكانة الدور البرلماني في حياة المجتمع والناس.
فنتمنى أن الأعضاء وخاصة المنتخبين منهم وكذلك عنصر النساء أن يكون لهم اتصال ملموس ومحسوس بالمجتمع، وبأن يكون لهم دور أكثر فعالية في طرح وتبني المشكلات وإن كان بالفعل لديهم هذا الدور نتمنى أن يتصلوا بالمجتمع ويوضحوا إلى ماذا توصلوا إليه، وماذا طرح للنقاش
وما هي الملفات الساخنة وما هي العقبات التي تكتنفهم فكل هذه قضايا مهمة جداً ومن حق المجتمع ومن انتخبهم أن يعلموا بسير عملهم، وليعلموا كذلك بأنهم مسؤولون بالدرجة الأولى أمام الأفراد الذين أوصلوهم إلى مقاعد المجلس. وكما يقول الشعراء والمحبون فالنفس يحييها اللقاء ويميتها الجفاء. والله يبعد الجفاء ويستبدله بحب ووفاء ولكن عندما يكون هناك تواصل ولقاء! .
مركز زايد للتراث والتاريخ