هل تتجه باكستان لتصبح على خط النار الساخن الممتد من جنوب لبنان إلى حدود الصين؟ البعض يرى أن باكستان منذ إعطاء الضوء (الأخضر) للهجوم على المسجد (الأحمر) في شهر يوليو الماضي، أصبحت على أكثر من خط نار أو على خط أكثر من نار! وآخرون يرون أنها، منذ الغزو الأميركي لأفغانستان لتأديب تنظيم القاعدة، وقعت دون إرادتها بين المطرقة والسندان، أو بين فكي سمك القرش الذي لا يرحم.

لماذا أكثر من خط نار؟ لأنها بحكم موقعها الجغرافي تحاصرها أفغانستان من الشمال والهند من الشرق والجنوب وإيران من الغرب. وليس أمامها من مفر غير المحيط الهندي. أما الهند فخطها الساخن معها يعود منذ زمن الاستقلال والخلاف على كشمير، الذي كلف الدولتين أكثر من حرب شعواء.

ولم تسكت الهند عن باكستان في الأيام الأخيرة إلا لأنها قررت أن تترك عدوها المسلم اللدود مشغولا بقضاياه الداخلية وجيرانه وخاصة تسرب أعضاء من تنظيم القاعدة وجماعات طالبان داخل حدودها، والذين وجدوا في باكستان بيئة ملائمة لإعادة تنظيم فيالقهم. وهي سياسة هندية حكيمة جدا.

فعندما يكون عدوك مشغولا بدخول عدو ثالث على الخط، فيفضل الانسحاب الهادئ من أرض المعركة. فما كادت باكستان تشعر بهدوء العلاقات المتوترة مع جارتها الهند، حتى بدأ الحماس الديني يدب في أوصال الحركات الإسلامية الكامنة تحت الرماد في باكستان والتي كانت تنتظر بهدوء وثقة الوقت المناسب لتضرب ضربتها القاصمة،

ولأنها كانت تعلم بأنها ستأخذ بزمام الأمور عاجلا أم آجلا، أسوة بالعديد من البلدان الإسلامية التي بدأت تتجه نحو (الأسلمة) خاصة من بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. صحيح أن ضربات البرجين في نيويورك قد كلف المسلمين غاليا في شتى بقاع الأرض وما زلنا ندفع ثمنه إلى هذه اللحظة،

إلا أن كثيرا من الحركات الإسلامية الكامنة استفادت من نتائجها وبدأت تتحرك في كل الاتجاهات وعلى جميع الأصعدة. وكما استخدمت الولايات المتحدة ضرب البرجين ذريعة وحجة مدعومة بالشرعية الدولية لتكسير أوصال الدويلات القوية كالعراق وإيران وسوريا مثلا لتطويعها أولا وللسيطرة من ثم على منابع النفط في منطقة الشرق الأوسط والثغور الاستراتيجية فيه وتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية،

كذلك استغلت الحركات والمنظمات والأحزاب الإسلامية بجميع فئاتها ودرجاتها ورجالها وحتى المتضامنين معها سياسة الولايات المتحدة هذه حجة وذريعة لمحاربة اليانكي القادم من القارة الأميركية لتضرب بها مصالحه في كل مكان تطاله يده، وللسيطرة على مقاليد الحكم.

ولم يكن بدا من أن يتألق الإسلاميون والأحزاب الإسلامية في باكستان في خضم هذه التطورات، وأن يشعروا بالقوة، وأن يلعبوا دورهم في حدود دولتهم المسلمة التي خرج رئيسها عن خطوطه الحمراء. وقد ساعدهم في ذلك النهج العسكري الذي اختاره برويز مشرف لمحاربتهم. والحقيقة أنه لم يختر ذلك النهج بل هم دفعوه إليه دفعا،

وكأنما أرادوا له ليحصلوا على الذريعة الشرعية. وبين التزامه مع الولايات المتحدة ودول الغرب التي تدعمه بكل ما أوتيت من قوة وبين تنامي الدور الإسلامي في المنطقة أصبح مشرف لا يعرف شرقه من غربه. فلا هو قادر على الوقوف في وجه الدول التي ساندته حتى وقت قريب، ولا إيقاف التسونامي الإسلامي القادم من الداخل.

نحن تعودنا في منطقة الشرق الأوسط وبالخصوص الشعوب العربية، على أن الأحداث الهامة والتغيرات السياسية الداخلية تحدث دائما بشكل متسارع ومفاجئ وغير متوقع. ولكن طبيعة الشعب الباكستاني غير طبيعة الشعوب العربية.

فرغم عنفوانه وغضبه واعتزازه بعقيدته الإسلامية، فإنه لا يتحرك إلا بهدوء، والأمور هناك تتغير ببطء ولكن بثقة (على حد قول الفرنسيين). وهذا الأسلوب هو الذي دوخ برويز مشرف وهو يرى نفسه غير قادر على إعادة الأمور إلى سابق عهدها.

فقد فوجئ في عقر داره، ولم يتنبه إلى التطورات البطيئة من حوله، وربما اعتقد بأنها لن تصل إلى غرفة نومه، بينما كان الخطر يدق باب جمهورية باكستان منذ سقوط أفغانستان وجمهورية العراق. وربما كان مشرف لم يعتبر من التاريخ وما زال يثق ثقة عمياء بحليفه اليانكي الذي طالما تخلى عن حلفائه في لحظات الشدة.

وهذه واحدة من أخطاء الولايات المتحدة في المنطقة، فلم تعد هناك ثقة لدى من يعتمدون على دعمها، وأصبح انهيارهم نفسيا يسبق انهيارهم الجسدي. ومن الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في حق مشرف بالذات وباكستان ككل كحليف له ضد الإرهاب، هي أنها أشعلت العالم بفكرة ضرب إيران، بسبب برنامجها النووي.

ولا ندري إن غاب عن فكر الرئيس بوش ما قد يحصل لو أنه قرر ضرب إيران التي تلاصق حدودها حدود باكستان من جهة الشرق، وانشغل بالتالي بحرب جديدة أخرى بينما هو لا يزال يغوص في وحل نهري دجلة والفرات منذ أكثر من أربع سنوات.

هذا التهديد المستمر لإيران أجج لدى مسلمي باكستان (ويمثلون 96% من السكان وخاصة لدى الشيعة منهم والذين يمثلون 22% من عدد السكان) بكل فئاتهم الشعور بأن الغطرسة الأميركية وصلت إلى أبوابهم بعد أن اكتسحت جيوشها دولة مسلمة كالعراق وأحالتها إلى ركام وحولت سكانها إلى مشردين ومقتولين وأيتام ومن قبلها فعلت إسرائيل بالشعب الفلسطيني واللبناني ذبحا وتقتيلا بدعم من الولايات المتحدة الأميركية.

فلم يعد أمامهم سوى محاصرة رئيسهم من كل الجهات، ذلك الرئيس الذي بدأت شوكته تضعف مع الأيام والذي قرر فجأة التخلي عن بزته العسكرية، والذي وجد نفسه شيئا فشيئا لا يحسن التصرف ويتصبب عرقا أمام كاميرات التلفزيون، ويستخدم الإنجليزية في خطاباته السياسية التي يوجهها إلى شعبه (ناهيك عن أن نسبة كبيرة من الباكستانيين ـ خلاف الهنود ـ لا يجيدون سوى الأوردو)،

والذي بدأ يشتم رائحة خيانة حلفائه الغربيين المقربين له ممن بدءوا في التفكير في اجتماعاتهم المغلقة كيف يتخلصون منه أو يتخلون عنه ويدعونه يلاقي مصيره على يد شعبه ومعارضيه لكيلا لا يحسب عليهم أو تتم مطالبتهم بدمه! ولا يشك أحد في أن الأوضاع في باكستان هذه الأيام تشبه إلى حد ما الأوضاع في إيران قبل سقوط الشاه.

فقد تعرض الشاه لنفس الخيانة الغربية عندما غلبت إرادة الشعب بنادق الدكتاتور، ولم يجد الشاه الذي كثرت سكاكينه لا على أرض القارة الأميركية الشاسعة ولا على مساحات القارة الأوروبية الواسعة خيمة صغيرة ينام فيها رغم كل الامتيازات التي قدمها لهم على حساب تطوير أوضاع شعبه وبلده.

وكل المؤشرات تدل على نهاية مشابهة: إعلان حالات الطوارئ، سجن رموز المعارضة، اضطرابات الشوارع، الإقامات الجبرية، استخدام السلاح في قمع المظاهرات، وتعيين حكومة تصريف الأعمال، إلخ... من الأمور التي تدل على تحول هام جدا في تاريخ باكستان المعاصر وبالتالي في المنطقة ككل.

أما أفغانستان فليس لديها ما تقدمه لباكستان سوى رجال طالبان ذوي الخبرة الطويلة في منازلة جيوش الاتحاد السوفييتي أولا ومن بعدهم جيوش التحالف. وهؤلاء المحاربون ذوو البطش يقدمون خبراتهم السياسية والعسكرية وخدماتهم الخاصة دون مقابل.

وربما تقاطعت مصالحهم أحيانا مع مصالح المخابرات الإسرائيلية والهندية والأميركية التي لا شك بدأت تتكاثر مع تدهور الأوضاع الداخلية وضعف الرئيس في تلك البلد التي اختارت لها عند استقلالها عن الهند اسم باك ستان: أي (الأرض الطاهرة).

والأخطر من موقعها الجغرافي بين تلك الدول المتحركة كأمواج المحيطات، أن باكستان كتبت على نفسها نقمة السلاح النووي، وهذا موضوع آخر، يجعلها نصب أعين الدول الغربية التي بدأت تتخوف من المد الإسلامي، ومن أن تصبح باكستان ولو بعد فترة من الزمن إيران الثانية ولكن بأثواب طالبان وبسلاح نووي.

فهل سيفوت تنظيم القاعدة في جهاده ضد الغرب هذه الفرصة النادرة من توتر المنطقة في هذا الموقع الجغرافي النادر من العالم الإسلامي في هذه اللحظة النادرة من ضعف رئيس دولة بها أكثر من 000. 500. 161 مسلماً طبقا لإحصائية 2007؟

كل هذا يعتمد على الضربة القادمة التي تعد لها إدارة بوش منذ فترة بين التصريحات الإعلامية والسرية العسكرية واللقاءات السريعة في أجواء حرب إذا ما انفجرت فإنها ستشعل المنطقة برمتها، من شرق باكستان إلى جنوب لبنان.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com